بقعة بنفسجية!


افتتح مطعم معصوب، وقلت لماذا لا أفاجئه، أزور المطعم، وأمتدح الطعام قبل التذوق، لن يتضرر أحد، إلا معدتي لاحقًا. وصلت، وبدأنا تبادل الأخبار، وكأننا فعلًا مهتمين، وصولًا إلى التشره المعتاد، والجواب الصالح لكل زمان ومكان: أشغال الدنيا. سألني في المنتصف عن رحلة وتفاصيلها، وعلى غير العادة قلت بأنني كتبت شيئًا ما عنها. لا أقول ذلك إلا للأصدقاء القريبين، والذين أُصر عليهم قراءة النص، يعدونني بالقراءة ولا يفعلون أو أعدهم بإجراء التعديلات ولا أجريها، هكذا الحياة وهذه ضريبة الصداقة. عمومًا، علّق صاحبنا هذا: "والله! تكتب أجل، أخيرًا طلعت بشيء من قراية الكتب". تلملم الموضوع بشكل ما، وأنا في طريق العودة، تفجّرت ألف عبارة ملطفة للتساؤل المُلح: "وش رأيك تاكل تبن!".

هذا موقف بسيط مقارنةً بعشرات المواقف التي دائمًا ما يُستثار فينا جزء صغير، يعيد التعليق/السؤال ويحلل نواياه، ويسرح في دنيا الاحتمالات، ومن ثم ينتقل للضفة المقابلة، يبدأ بقوة ويتساءل مع شخصية كونديرا: هل أنت مجرد تجميع عرضي لجسد وأفكار وسيرة، تجميع اعتباطي وقابل للتغير! مجرد تعليق يظل عالقًا هكذا! ترفض هذا بالطبع وتحاول فلسفة الأمر، وتستجدي الرضا الذاتي في أي شيء حتى تتجاوز هذا الشعور، إلّا أنك في نهاية المطاف تجد أن كل الاستعارات التي تحبها قد أفلتت منك، أين النوم ملء الجفون؟


يبقى السؤال ما الحل؟ وفي حالتي أنا هل يجب علي أن أبدأ الكتابة بشكل منتظم لأنني أقرأ؟ وهل لأني أقرأ يجب أن أكتب؟ لماذا كنت أُفكر في الكتابة، في الوقت الذي كان من المفترض فيه أن أُأكد على خلو المعصوب من الجبن! يحكي صديق عن حالة طبيّة، دائمًا يشاركني المصطلحات وأنساها في حينه، عن تلك البقعة البنفسجية الناتجة من الكدمات، لن تشعر بها إلا عندما تُلمس. يتخيّل صديقي أننا نحن الكائنات البشرية نحمل بداخلنا بقع بنفسجية موزعة في كل مكان. يبدو لي أن هذه البقع نتيجة أشياء نحملها من كل محطات ومنعطفات الحياة، ونحن على هذه الأرض نسعى ونُراكم حتّى النهاية، كل الأشياء تُحفظ بعناية وتُطبع داخلنا، إلى أن تتلمسها الكلمات!


بالعادة نشعر بوجود خلل ما عندما نتعرض إلى اختلاف/انتقاد، وبغض النظر عن كونه بناء أو غيره، لا يُحب الإنسان أن يشعر بأنه على خطأ أو أنه يحتاج إلى رأي أو تعليق عبقري حتى يلتفت إلى شيء ما، خصوصًا إذا لم تُطلب هذه المساعدة، مهما ادعى عكس ذلك، لأنه يمنح شعورًا مزعجًا في أن الآخر يفترض أنه أعلم منك في أمور الحياة. نجد البعض يشن الحرب على أصحاب التجارب بدون أدنى سبب، يتملكهم هذا الشعور مبكرًا! عمومًا لو سألنا أنفسنا: لماذا يبدو هذا الشعور حقيقيًا؟ نجد أن وعينا لا ينفك يعطينا معلومة وحيدة عن أنفسنا، تتقاطع مع قصة قديمة عالقة، أننا لسنا محبوبين كما نتمنى، ولا نستحق أيًّا من هذا، وتستمر حكاية جلد الذات إلى أن تغرق المشاعر في وحل معتم!


يظل السؤال الأهم كيف يمكن لهذه الأشياء أن تثير بقعنا البنفسجية؟ والحقيقة أنني لا أعرف كيف يمكن أن تنجو من صوتك الداخلي. التجاهل والافتراض المباشر أن الآخر أحمق قد يساعد قليلًا، لكن لن يمنعه من جعلك تشعر بعدم الرضا لأسباب لا تعرفها. ولا أعرف هل أتقمص الدور الساذج لكتب تطوير الذات و"كوتش الحياة" وأقول تصالح مع ذاتك، وحاول التفكير في جانبك من القصة، بغض النظر عن أفكارهم، تعلم تحب نفسك، ابحث عن السلام الداخلي. هذه كليشيهات لذيذة لكن صعبة إلى حدٍ ما وعواقبها لا يمكن التنبؤ بها، لو تصالحت مع ذاتك، ولزمت جانبك من القصة، وأحببت نفسك، ووجدت السلام الداخلي، لن تتحرك من مكانك، لن تتحسن ولن يتغير شيء، بل وارد جدًا أن تصبح مثير بنفسجي وتتصالح مع الأمر تمامًا!


لذلك ربما، وأقول ربما، بعض البديهيات قد تساعدنا في تجنب لمس البقع البنفسجية، مثلًا: أن تكون أكثر لطفًا مع الآخرين، وتنتقي كلماتك بعناية، وتنثر الحب من حولك، ولا تُحرج أحدًا بحجة الخفة في الدم، أو تتوقف عندما تشعر بذلك الحرج، ولا تحكي عن قصصهم الحميمة عند غيرهم، لا تقترح عليهم النصائح بدون أن تُطلب، لا تكذب، وأن تحتفظ برأيك غير المهم لنفسك، وأن تستمع جيّدًا دون التعجل في المشاركة، وأخيرًا ألا تأكل المعصوب!

الوليد

Alwaleedmm0@gmail.com

Join