حتى أهل القُرى لم يَسلموا
بِسن ١٣ أتذكر زيارتي للقرية التي هي مسقط رأس قبيلتي أو كما نُسميها في الجنوب "أم ديرة" وبلهجة أخرى "الديرة"، لم يكن فيها أي اشارة لحياة المدينة ولا خدماتها بأي شكل من الأشكال، لا وجود للكهرباء الا "ماطور" يكفي لتشغيل الإنارة لـ٨ منازل فقط، وتشغيل التكيف في صلاة الجمعة فقط، أما البيوت فكانت بدون تكييف، لا أعرف كيف تحملوا فتُهامة حارةٌ في الصيف، وأما بالنسبة للثلاجة فكانت على الغاز! نعم على الغاز، لا أعلم ماهي التقنية المستخدمة لذلك بل لم تكل ثلاجة بل "فريزر" بمعنى أن كل شيء يُثلج، والغسيل كان في جَوالَين "طشت"، لا وجود لشبكة الاتصال وان أراد أحدهم استخدام هاتفه فعليه أن صعود قمة جبل للقط الإشارة.
كُنا ننام في "الحوش" الاستيقاظ قبل الفجر بساعة والنوم بعد صلاة العشاء مباشرة، ووجبة العشاء بعد صلاة المغرب.
الحياة بسيطة وجميلة، لقاءٌ ووصل، تعاون وفزعة، إذا أراد أحدٌ شيئاً من الزاد أو من متاع المدينة، فعليه أن يقطع مسافة ١٥ كيلو بين الجبال في طريق وعرٍ ملتوي، فكان الشخص الذاهب يُعلم أهل القرية لكي يشري لهم ما يُريدون دُفعةً واحدة، حتى سُكانها فهم لا يعرفون السيارات ولا المطاعم ولا العُمال، فهم من يسيرون ويطبخون في المنازل أو حتى في المناسبات وهم من يبنون، ويزرعون، ويرعون.
زيارتي الأخيرة، تغير علي الأمور تماماً، فأصبح هنالك طريقاً معبداً "مزفلت" يشق القرية ويربطها مع غيرها، أصبح التكييف في كل منزل، الببسي موجودٌ على الغداء، البسكوت والبطاطس!!، حتى الأبناء الصغار الآن أجسامهم متغيره وليس بهم قوةٌ وجلد، لا يعرفون الحرث ولا البناء ولا الطبخ ولا إعداد القهوة، العجيب أن لديهم القهوة السوداء!!، يلعبون "ببجي" حتى كلامهم وطريقة حديثهم تختلف عن أخوانهم الكبار في كل شيء.
أصبحوا يسهرون!!!!!!!
وصل لهم سوءُ المدينة، لست سلبي هنا بل هذه المرة الثانية التي أرى فيها هذا الأمر وكل الأمرين كنت شاهداً عليه بل من أهله، في حرض مكان مولدي وطُفولتي، والديرة مسقط رأسي.
كُنا نذهب للقُرى لنُصفّي عقولنا من صخب المدينة فتساوت المدينة بالقرية
الثلاثاء
31/8/2021 - 23/1/1443
2:30ص
مكتبي - شقة عامر ٣