بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه و من والاه ..


في ٢٢ رمضان الماضي و أثناء احتساء القهوة مع والدتي بعد التراويح.. سألتني عن هذا التطبيق الجديد الذي أعمل عليه مع سامي منذ سنوات.. فقلت لها أننا في المراحل النهائية من التجهيز لإطلاقه.. فقالت لي اجعلني أول من يراه قبل إطلاقه (و هي معتادة على رؤية تطبيقاتي السابقة قبل الجميع) فقلت لها لك ذلك بإذن الله تعالى.. هذا وعد مني.


توفيت أمي رحمها الله بعد ٤٠ يوماً في الثاني من ذي القعدة.. و لم أتمكن من الوفاء بوعدي لها.. أمي لم تر كرميلا التي سمعت عنها كلاماً مبهماً لسنوات.. إنما أحمد الله على فضله و لطفه و حسن تدبيره و أشكره كما يليق بجماله و كماله..


بعد وفاة أمي رحمها الله تذكرت موقفاً حصل معها منذ سنوات بعيدة :

قبل ١٧ عام.. في بداية عام ٢٠٠٠ تحديداً و في أحد زياراتي لأمي في المدينة المنورة.. و في لحظات الوداع الأخيرة قبل مغادرتي للمطار استوقفتني أمي.. و أرتني مظروفاً في يدها و قالت لي:


بندر .. هذه ١٢ ألف ريال زادت عن حاجتي.. خذها و اشتر لنفسك بها ”لابتوب“ واصنع به شيئاً جميلاً!


وقفت مندهشا عندها.. فأنا لم أطلب مالاً منها.. ناهيك عن أن يكون مبلغاً كبيراً كهذا.. كنت موظفاً في ذلك الوقت و بدأت أستقل مالياً عن أهلي.. و لم أطلب أو أتمنى لابتوب و لم يكن ببالي أني أحتاج لابتوب ففي تلك الفترة كانت تصاميمي و رسمي عالورق فقط و كنت مستمتعاً بذلك..


ثم من أين أتتها فكرة اللابتوب؟ كل أقراني و أقربائي من عائلة أمي لا يمتلكون أي لابتوب في ذلك الوقت.. لم يكن اللابتوب شيئاً شهيراً بما يكفي في بداية الألفيّة.. كيف استبقت أمي الأحداث بدون مؤثر خارجي مفهوم؟


ثم جملتها الأخيرة :

ماذا كانت تقصد؟ الرسم و التصميم ليس مجالها.. ناهيك عن توقعها لمستقبل هذه الأشياء على الكمبيوتر أو الإنترنت مثلاً.. ما الذي كانت تراه و تتخيله أمي؟


حمدت الله على هذه الهدية.. ثم شكرتها و قبلتها و أخذت المبلغ.. ودعتها و عدت إلى جدة.. كنت في ذلك الوقت أجهل الأجهزة و أنواعها و مواصفاتها.. فقلت لابن عمي يوسف: ابغى أشتري لابتوب.. فأخذني مشكوراً إلى أحد معارض الماك القليلة في ذلك الوقت.. دخلنا و أشار إلى لابتوب معروض و قال لي: هذا هو.. ماكنتوش.. قلت له تعرفه كويس؟ قال: لا! لم أستخدمه من قبل! لكن هذا لابتوب المصممين! سألنا البائع عن السعر فقال: ١٢ ألف ريال (و كأن أمي كانت تعرف سعر الجهاز الذي سأشتريه!) أعطيته المظروف بدوري كما استلمته من أمي قبلها.. و استلمت الجهاز !

بالطبع لم يكن علماً أو استشرافاً للمستقبل من أمي رحمها الله.. إنما كان كل هذا إلهام و أمر و تدبير و مشيئة الله عزّ و جلّ.. الذي ما من شيء جميلٍ إلا من حسن تدبيره و إلهامه.. فهو الذي أراد لي هذا المبلغ و هذا الجهاز و التعلم عليه .. و أراد لي كل تبعاته.. و هو الذي أخرجني من الهندسة المعمارية و حولني إلى التصميم.. و هو الذي أخرج سامي من الطب و حوّله إلى البرمجة.. و هو الذي لن ننتهي لو بدأنا بعد نعمه هذه علينا..

في الـ١٧ عام الماضية رأت أمي بفضل الله ثمرة هذا اللابتوب الأول الذي بدأتُ عليه التصميم الرقمي.. رأت تطبيقات القرآن و الصلوات و التسبيح و غيرهم.. أمي لم تستثمر ١٢ ألف ريال في لابتوب.. لا.. أمي استثمرت عمرها كله في ابنها.. لها مشروع واحد.. هو أنا.. و هذا فضل من الله.. فكيف أستطيع أن أشكر الله على هذه الأم الكريمة؟


ظننت طوال هذا السنوات أني أعمل و أصمم و أجتهد بفضل الله لتحقيق حلمي.. لكن انتبهت للتو أني عملت طوال هذه السنوات لتحقيق حلم أفضل بكثير :

حلم أمي

الذي رأته قبلنا..

أسأل الله لها الرحمة و الرضوان..