بقلم المبرمجة:

سارا التويجري

SaraAltuwaijri@

لماذا البيانات هي النفط الجديد؟ وما علاقتها بثورة الذكاء الاصطناعي؟

نسمع دائما عن ثورة الذكاء الاصطناعي و التطبيقات المتوقعة مستقبلا و عن كمية البيانات التي يتم حفظها و معالجتها يوميا، لكن مالذي يربط الاثنان معا؟ سنتحدث في المقال عن أهمية بياناتنا و دورها في برامج الذكاء الاصطناعي و كيف تغيرت النظرة للبيانات لتصبح أغلى سلعة في وقتنا هذا!

يشهد التاريخ مؤخرا تقدم في رفع مستوى ذكاء الآلات واتقانها للعديد من المهام الدقيقة والصعبة، لكن لنتوقف للحظة ونتساءل... ما هو ذكاء الآلة؟

 

قد يظن البعض أن ذكاء الآلات أو الذكاء الاصطناعي هو أن تكون الآلة قادرة على التفكير واتخاذ القرارات والتعلم من أخطاءها... وهذا صحيح!


لنتخيل للحظة مستقبلا تتقن فيه الآلات أكثر المهام التي يقوم بها الإنسان وأكثرها صعوبة، بل وتتعلم أكثر مع مرور الوقت وكثرة التدريب لتكتسب خبرة أكثر لتقلل نسبة أخطائها الى صفر!

سيارات تسلا ذاتية القيادة سببت تساؤلات عديدة عن كيفية قيام هذه السيارة باتخاذ قرار سريعة اثناء القيادة والقيام بعمليات حسابية كثيرة على البيانات المدخلة من الحساسات. السيارات ذاتية القيادة هي أحد التطبيقات الاكثر انتشارا لبرمجة تعلم الآلة.

تعلم الآلة ببساطة هو أن تقوم الآلة باستخدام البيانات المدخلة والاعتماد عليها كليا لتحليل وتوقع الأحداث المستقبلية. لا تحتاج الآلات في هذه الحالة الى قوانين وأنظمة في كيفية التحليل واستخراج النتيجة النهائية، بل كل ما تحتاجه هو البيانات


وتكمن قيمة البيانات وأهميتها في السنوات القادمة بسبب الاعتماد التام عليها في تحسين جودة التنبؤات ورفع مستوى ذكاء الآلات لاتخاذ قرارات سليمة. ويتوقع مستقبلا أن تكون الأساس في المشاريع التجارية الحديثة. 

كيف يتم جمع كل هذه البيانات عني؟

بكل بساطة، عندما تقوم باستخدام احد مواقع التواصل الاجتماعي في أحد الأيام لعدد ساعات معينة و تقوم بمتابعة شخص جديد و الكتابة عن موضوع معين و تفضيل صورة او مشاركتها مع اصدقائك، كل هذه البيانات يتم جمعها و حفظها و تحليلها مستقبلا لعدة أسباب. بالإضافة الى كل هذا، المعلومات الصحية و عناوين البحث و الموقع الجغرافي التي يظن البعض انها معلومات شخصية، تقوم بعض التطبيقات بجمعها وحفظها و تحليلها لأغراض الإعلان و الدعايات. 

 

يذكر ديفيد كيني المدير العام في IBM Watson ، بأنه لا توجد خدمات تقنية مجانية، وإن كانت مجانية فهذا يعني ان المعلومات التي يتم حفظها واستخراجها من العميل اعلى ثمناً من المبلغ الذي سيتم دفعه في حال شراء الخدمة!


أيضا، تقوم أمازون ببناء نظام لمحاولة فهم ماذا قد يريد المستخدم شراءه قبل أن يعرف المستخدم نفسه أو يقوم بعملية الشراء، و هذا يتم عن طريق جمع بيانات المستخدم وبناء شخصيته عن طريق جمع بيانات الطلبات السابقة و تحليلها لتوقع ما الذي سيتم طلبه قادما!


أحد أكبر الشركات في مجال تعلم الآلة والذكاء الاصطناعي هي ديب مايند (DeepMind) التابعة لقوقل. تعمل ديب مايند على استخدام وتطوير أحدث التقنيات في تعلم الآلة لبناء خوارزميات تعلم فعالة وذكية جدا. قامت ديب مايند بتطوير لعبة (AlphaGo) والتي سببت ثورة كبيرة في مجال الذكاء الاصطناعي عندما تغلبت على أفضل لاعب (Go) في العالم.


تستخدم ديب مايند تقنية تعلم تسمى بالتعلم المعزز (Reinforcement Learning)، وهو أن تقوم الآلة بعملية التعلم تماما كما يحصل مع الإنسان. تبدأ الآلة بداية في التصرف بشكل عشوائي لتستقبل بعدها نتيجة الفعل الذي قامت به، ثم تقرر بناء على النتيجة أن تقوم بإعادة الفعل مرة أخرى أم لا! تم استخدام هذا التقنية في بناء لعبة (AlphaGo) حيث قام المطورون بإدخال بيانات ١٠٠،٠٠٠ مرة تم فيها لعب (Go) وجعل الآلة تقوم بتقليد سيناريو اللعب السابق. بعدها، قامت الآلة بعد ذلك بالتعلم واللعب لوحدها ٣٠ مليون مرة عن طريق استخدام تقنية التعلم المعزز. 

دعونا نتحدث بلغة التقنية..

لنشرح تقنياً كيف يحصل تعلم الآلة. في السابق كانت كتابة البرمجيات التقليدية مختلفة تماما عن طريقة كتابتها الآن مع تقنية تعلم الآلة. كانت البرمجة التقليدية تعتمد تماما على القوانين المدخلة من المبرمج بالإضافة البيانات التجريبية التي يتم إدخالها لاختبار دقة القوانين في حسابات معينة. بعد الانتهاء من وضع القوانين واختبار دقتها عن طريق المقارنة بالإجابات المتوقعة، يقوم المبرمج بتشغيل البرنامج واستخدامه للغرض التي تم بنائه من أجله.


مثال بسيط على برمجة البرامج التقليدية هي كتابة برنامج الآلة الحاسبة. يتم كتابة القوانين الرياضية واختبار صحتها ودقتها ثم تشغيلها لتعمل بشكل طبيعي كآلة حاسبة.


اما ما يحصل مع برمجة تعلم الآلة بكل بساطة، فهو العكس تماما! يتم ادخال البيانات والإجابات المتوقعة فقط، ويقوم البرنامج باكتشاف ووضع هذه القوانين. 

يوجد الكثير من الخوارزميات التي تشرح كيفية اكتشاف القوانين والانماط، لكن أحد اهم الأفكار القائمة على هذه الخوارزميات هي الشبكة العصبية (Neural Network). تقوم الشبكة العصبية بالعديد من العمليات الحسابية للوصول الى نتيجة نهائية واتخاذ قرار. 

مثال بسيط لبرنامج يقوم بأخذ صورة ثم يقوم بالتوقع ما إذا كانت الصورة لكلب أو قطة. تبدأ الشبكة أولا بتقسيم الصورة الى (Pixels) صغيرة جدا مع نسب (من صفر-١) عشوائية في البداية. ثم تدخلها الى الطبقات الداخلية في الشبكة العصبية والتي تحتوي على دوال تعيد حسابة النسب ووضعها من جديد (activation function)، لتخرج النتيجة النهائية على شكل نسبة (٧٠٪ قطة، و٣٠٪ كلب). وبهذا تكون الشبكة قد اتخذت قراراً بناء على النسبة النهائية. نقوم بعد ذلك بالمقارنة بالنتيجة الحقيقية ما إذا كان توقعا صحيحا أم لا. إذا كان التوقع خاطئا، تحصل عملية (back propagation)، والتي بدورها تعيد صياغة العمليات الحسابية لجعلها تلائم النتيجة النهائية.

وتكمن دقة الشبكة العصبية هنا بكمية البيانات المدخلة إليها، ولذلك نقول ان البيانات هي العنصر المفقود في جودة برامج الذكاء الاصطناعي و تعلم الآلة ولذلك هي الأعلى ثمناَ الآن! 

ولا ننسى أخيرا مقولة (Elon Musk)، الرئيس التنفيذي لشركة تسلا و سبيس اكس محذراً من هذه الثورة:

The least scary future I can think of is one where we have at least democratized AI, because if one company or small group of people manages to develop godlike super intelligence, they can take over the world!

وفي النهاية…

 بيانات المستخدمين على منصات الانترنت عالية الثمن، ولا يوجد حد لسعرها مستقبلا. تستخدم شركات التسويق البيانات التي يتم تجميعها من المستخدمين بشكل مبهر، فقد ترى اليوم إعلان شيء كنت تبحث عنه بالأمس! في هذا الزمن، الأقوى لمن يملك أكثر كم من البيانات وهنا نقول لماذا هي النفط الجديد...

Join