التعددية الثقافية .. كسفينة نجاة !
أخر القارات 2
ما هي الملامح الثقافية لاستراليا ؟ ما هي هويتهم، لغتهم والى أي عرق ينتمون ؟. سأتجاوز الحديث هنا عن سكان استراليا الاصليين في مقال منفصل، لكن لنتذكر ان عمر استراليا الاستيطاني الحديث لايتجاوز ٣٠٠ سنة. وكانت طلائع المهاجرين الاوائل بالطبع هم البريطانيين الذين كان لهم السبق في اكتشاف اخر القارات استراليا ومعها نيوزلاندا وهذا ما جعل الهوية البريطانية هي النواة الاولى لمجتمع استراليا واللغة الانجليزية هي لغتها الاساسية. وبفعل عوامل التعرية الزمنية والاحتكاك بالثقافات الاخرى والبيئة الجغرافية الفريدة حدثت بعض التحورات في البنية الثقافية واصبح للاستراليين لكنتهم وثقافتهم الخاصة.
ومع بداية القرن العشرين صار لاستراليا كيانا سياسيا مستقلا عن بريطانيا الام وهنا بدأت تتشكل ملامح الدولة الاسترالية الحديثة. وبعد الحرب العالمية الثانية ازداد تدفق المهاجرين الاوروبيين تحديدا، ومع العقد السابع فتحت استراليا الباب على مصرعيه لاستقبال المهاجرين من مختلف الاعراق بعدما كان الامر حكرا على الابيض الاوروبي والبريطاني خاصة واصبحت الى وقتنا الحالي تستقبل عشرات الالاف من المهاجرين واللاجئين سنويا ينتمون لقرابة ٢٠٠ دولة.
اليوم هناك واحد من كل اربعة ممن يحملون الجنسية قد ولد خارج استراليا. ومع سكان يقدر ب ٢٣ مليون فإنهم يتحدثون الى أكثر من ٢٠٠ لغة، ويتدينون بست ديانات اساسية. فهل لك ان تتخيل كيف سيكون عليه الحال في وطن يعيش تحت سقفه مهاجرين من مختلف البلدان والاديان والثقافات ! هل يمكن ان تجتمع الاضداد الثقافية تحت سقف واحد، وطن واحد ؟. لطالما كان اختلاف البشر الثقافي محرضا على نشوء الكراهية والعداوة والحروب في الحقب التاريخية والعصرية. الا ان استراليا تُعرف عن نفسها بأنها أمة متعددة الثقافات multiculturalism يعيشون من اجل وطن واحد. وهي سياسة حكومية مرنة تجاه ثقافة المهاجرين المختلفة تسمح للثقافات بالتعبير عن ذواتهم دون اقصاء او تحريض، تحميهم بذلك قيم العلمانية والديمقراطية والحرية. وعلى هذا المنوال تسير بلدان اخرى مثل بريطانيا ونيوزلاندا وكندا التي كانت سباقة في تبنيها لسياسة التعددية الثقافية.
لكن الى اي حد نجحت سياسة التنوع هذه في صناعة مجتمع استرالي امن ومتنوع ثقافيا؟. جلبت التعددية الثقافية للبيئة الاسترالية انماطا جديدة واسلوب حياة وافر بالتنوع الثقافي والغذائي والموسيقي والفلوكلور الاممي. لكن لا اخفيكم ان المناوشات العرقية والثقافية والدينية حضرت في استراليا عدد من المرات، وطرحت تساؤلات عن مدى نجاح التعددية الثقافية في حماية السلم الاهلي خاصة مع تصاعد موجة الارهاب العابر للقارات. فضلا عن المخاوف التي تعتري الثقافة الاسترالية من الذوبان والانهيار امام ثقافة المهاجرين الاسيوية منها تحديدا مع غياب تام للهوية الوطنية الجامعة. وهذا ما استدعى بعض الحكومات الاسترالية المتعاقبة الى تشديد شروط الهجرة خاصة في مجال اتقان اللغة الانجليزية والالمام بالثقافة الاسترالية والقيم الحضارية المتعلقة بالحرية والمساواة واحترام سيادة القانون التي تغيب غالبا عن ثقافة مهاجري دول العالم الثالث.
بالرغم من الجماليات التي تنطوي وراء سياسة التنوع الثقافي الا انها شجعت اكثر على نشوء كنتونات عرقية وثقافية منطوية ومنزوية على ذاتها، يتمركزون في احياء ومناطق محددة، مما ثبط وبطأ من عملية اندماجهم داخل مجتمع المهجر. هذا الامر ازعج كثيرا قادة اوروبا مثلا وعلى رأسهم المستشارة الالمانية ميركل التي رأت ان سياسة التعدد الثقافي قد فشلت في ألمانيا امام تراجع الهوية الالمانية لصالح هوية المهاجرين الجدد خاصة الاتراك منهم.
في المرة التي تزور فيها مدينة سيدني، سيكون من اللازم المرور بالدارلينج هاربر Darling Harbor وهو من المرافئ الجميلة التي تجتذب السواح وتحتضن فيها فعاليات ترفيهه ووطنية على مدار السنة، والاهم احتضانها لفعاليات وكرنفالات التنوع الثقافي حيث تعقد في هذا المكان وبشكل دوري احتفالات ضخمة تنضمها الجاليات الثقافية المتنوعة للتعبير عن ذواتها من خلال الموروث الشعبي والموسيقي والفنون والمأكولات التقليدية، والخطب الذي تحضر فيها التشديد على قيم الحضارة والعيش المشترك والاحترام المتبادل.
17/05/2017