بداية.


 

مرحبًا، هنا سأكتب.. يومًا بعد يوم منذ هذه التدوينة فصاعدًا، أما هذه التدوينة فهي تحرير مقتطفات يومية على مدى الشهر الماضي، منذ بداية تدشين المشروع إلى تاريخ الثامن من شهر آب\ أغسطس لعام 2020. 


ولدت فكرة هذا العمل بتغريدة قصيرة كتبتها في تويتر بتاريخ الرابع من شهر أيار خلال الحجر المنزلي في أزمة كورونا معبرة بأن في كل مرة أصنع كعكة أفكر مع ذاتي عن بدأ مشروع مخبوزات و ينتهي الحلم بمجرد إنتهاء الكعكة و إلتهامها، في تلك اللحظة بدأت أستلم رسائل في خاص تويتر من الأصدقاء بأنه يجب علي أن أبدأ بالتفكير بالأمر بطريقة جديًا و بأنها قد تكون النقطة التي تحول من مسار ماديتي و بحثي عن عمل بعد التخرج. 


بدأت التفكير ثم بدأت مرحلة التغذية البصرية و محاولة تصميم الشعار بمساعدة الصديقة العزيزة رهف و ترتيب الحسابات مع هيا و الاستشارات من بقيتهن اللاتي لن استطيع حصر أسمائهن لكني أحبكن جميعًا “ اعلمن ذلك حين تقرأن”  و الإثبات لعائلتي بأني جادة فيما يخص الفكرة، كنت أبحث بشكل مستمر مع الكثير من صديقاتي عن مخابز منزلية أو محلية صغيرة في جميع أرجاء العالم من خلال تطبيقات التواصل الإجتماعي و المدونات، بالإضافة لكثير من تلك المقاطع في اليوتيوب. كانت تمر الأيام بمشاعر متفاوتة و أمزجة متذبذبة، أستطيع أن أشبه مزاجاتي العديدة براديو قديم سلك إستقباله يستقبل الإشارة مرة و يرفضها عشرًا، كثيرة التفكير أنا كشخص، ربما لي مواقف كثيرة مهزوزة فيما تخص الأعمال، أنا ملولة رغم إمتلاكي للشغف و العديد من المواهب و المهارات، لا أنفك أقفز بين ترامبولينات الحياة المختلفة بين فترة و أخرى. 


قبل بداية المشروع بعدة أسابيع حاولت أن أقدم كعكات مختلفة لعدة أصدقاء و متابعين في تويتر لأجمع ملاحظاتهم جميعًا و أجعلها في حسباني و معرفة أخطائي، في تلك الأيام تعرضت لإحباط شديد .. فقد قمت بإفساد أربع كعكات في يوم واحد.. جلست على أرضية المطبخ الحارة و بدأت أبكي بينما يمر إخوتي و يلقون النكات و لا ينفكون يذكرونني بأنه لا بأس. 


بدأت تدشين المشروع و استقبال الطلبات بتاريخ السابع من تموز، حصل المشروع على الكثير من كلمات الدعم و الحب من أصدقاء و مغردين كثر في تويتر مع دعوات من العائلة و الأصدقاء. كان كل شيء في تلك اللحظة يبدو ورديًا مشرقًا رغم معرفتي أن الأيام الصعبة لم تحن بعد  



الفرن مثل العدو الغدار بس تعطيه ظهرك و تغفل ممكن يدمرك.

ماما_ 

بدأت المشروع باستقبال أربعة طلبات من أشخاص في غاية اللطف و السلاسة، أحدهم حتى قدم لي كيسة قهوة زكية الرائحة محمصة تحميصًا لذيذًا، كان اليوم الأول مليئًا بالصعوبة رغم استمتاعي به، أذكر أني جلست في نهاية اليوم أحاول إلتقاط أنفاسي و اللحاق بما فاتني من يومي. كنت أشعر بأني في سباق ماراثون طويل لعدائين محترفين بينما أنا عداءة مبتدئة أوحتى أشبه بسلحفاة حكاية الأرنب و السلحفاة في البداية، حيث مشت السلحفاة ببطء شديد للغاية محاولة اللحاق، رغم ذلك كنت أمتلك نوعًا من الطاقة. مع مرور الأيام و اختلاف كثافة الطلبات من عدمها كنت أتذبذب فيما يخص ثقتي بنفسي، تمر أيام كثيرة أبكي فيها كما لو كنت في أول يوم دراسي و تتركني أمي وحيدة في المدرسة “ بالرغم من أني حقيقة لم أبكي في أول يوم دراسي” 

كان خراب كعكة واحدة يتسبب بإنهيارات عديدة، فوضى المطبخ، حروق يدي، و نوبات الهلع عند إدخال كل كعكة للفرن، قلة النوم، الإستيقاظ باكرًا لخبز كعكة طازجة، الشعور بالضياع، إستبدال كل النشاطات و إنصباب جل تركيزي عن الطلب القادم أو ترتيب المحتوى أو تنسيق صفحة الأنستغرام و تويتر، بالإضافة لبضع خيبات أمل حين يتحدث معك شخص تظن أنه زبون محتمل ليرهقك بكثر الأسئلة ثم ينهي محادثته بتعليق مستفز “ أسعارك غالية” “ ليه مسوية إنك محل فخم” “ ما أحس أن يسوى كل المبلغ” أو “ إعذريني أخذت من وقتك ما أتوقع بطلب” .. في داخل عقلك أنت تقول: لا يا شيخة بدري تعرفين إنك أخذتي وقتي!! لكن في الواقع سترد بجملة لطيفة و تحاول أن تهدأ تحت مبدأ أسس و أخلاقيات التسويق و التواصل مع العملاء التي أصبحت أسأل والدي عنها كثيرًا بحكم خبرته السابقة أو قراءة مقالات هارفرد بزنيس ريفيو. لكن يصادفك نوع من الأشخاص اللذين لا يسعك أن ترد عليهم سوى بـ “ WHAT THE “. هذا النوع صادفني مرتين إلى الآن و أتمنى أن أصل لمرحلة من الحكمة تعطيني الصبر و السلوان و طولة البال و الرحمة على عقولهم لعل أنا أرتاح من التصرف و التعامل مع المواقف الصعبة و الجديدة علي، الشكر موصول لكل من يذكرني بالعبارة التالية: “ طنشي بتشوفي كثير” 

لنضف لهذه القائمة ضيايع التام في الحسابات التي لا أزال أعاني معها، المشكلة ليست بكوني سيئة التعامل مع الأرقام أو الخوف من الرياضيات و الحسابات المشكلة أني لا أجيد التركيز للغاية، لكن استطعت في النهاية أن أكب كل شيء في دفتر و أعمل على نقله الآن لملف أكسل لعلي أتعلم أمرًا جديدًا..  


لنكتف بالدراما التي أمارسها مع كل خراب و صعوبة و نأتي للجزء المفضل لي في كل كعكة، أشعر أني مدينة لكل كعكة بشكل أو بآخر خصوصا كعكة الليمون، قبل البدأ في الحديث عنها فأنا لا أعترف بكعكة الليمون المليئة بالتوت، فهي تسرق كلاسيكية كعكة الليمون و دفئها الطبيعي لذلك المنتج الذي يعتبر ( غالي السعر) في أسواق المملكة، إضافة التوت لدي هي إضافة رأسمالية ذات بذخ في أي كعكة فهي لا تتناسب مع السعر الطبيعي لأي شيء و كأن التوت يتحول لقيراطات ذهب و فضة فتلك العلبة الصغيرة للتوت المعدوم من النكهة التي يتم وصفها في مدونات الطبخ الأجنبية يكلف الكعكة بخمس وعشرين ريال إضافية ناهيك عن علبة أخرى للزينة. و هذا ما أراه أنا قمة من البرجوازية و الطبقية في عالم الفواكه و الطبخ. سأتوقف هنا عن نقمي و لنشرح تلك اللحظة الجميلة جدًا التي تصاحب بشر قشر الليمون، هي لحظة عطرة للغاية يرافقها صوت المبشرة الذي يبدو لطيفًا للغاية مع القليل من الموسيقى الهابطة لأغاني جيل الألفية ذات الموسيقى الغي منطقية في غالبها مما يجعلها باعثة على الدوبامين و مرافقتها للحماسة. بشر الليمون و نخل الدقيق لينتشر ناعمًا رقيقًا كالثلج في الوعاء ينساب مع حركة الملعقة و المنخل و كأنه يسايرك ليرضيك. 


فقرتي المفضلة الأخرى هي فتح علبة الفانيلا، تل الفقرة عبارة عن فقرة عطرة لكل كعكة لا كعكة تستغني عن الفانيلا ففي عالم الكعك الفانيلا هي عطر كل كعكة، بالإضافة لضرب البيض إلى أن يصل لمرحلته الكريمية الرقيقة مع السكر يتضاعف ليمل درجة لون بيجية بديعة. تتمازج كل تلك المكونات لتخلق كعكة لطيفة. 


أما كعكة الشوكلا فأجمل ما فيها هي رائحة المزيج المليئة بالكاكاو قبل خبزه و أثناء خبزه. 


اللحظة المرعبة حقًا هي مراقبة إنتفاخها، قد تخذلك الكعكة فجأة و تقرر لأي خطأ بسيط كان أو غفلة لا تذكر فالكعك من المخبوزات التي لا تنسى و لا تغفر أشبه بحقد الجمل لا تنسى لك نهفاتك أبدًا. فقد غضبت علي الكثير من الكعكات راقبت بعضها تغيظني أمام عيني و كأني قتلت لها طفلًا فقبل يومين خبزت كعكة ليمون لا أذكر الخطأ معها و فيها، و بينما كنت أفتح ضوء الفرن لأراقب انتفاخها رأيتها تنتفخ بشدة أمام عيني ثم بدأت تنفجر و تسيل من أطراف القالب لأبدأ بالبكاء مباشرة لأني كنت خائبة الظن و غاضبة و أشعر بالنعاس و القلق، الكعك يحاسبك حتى على مشاعر القلق و الكآبة التي تراودك هو لا يتخطى و لا يسامح “ اتق شر الكعك” هذه نصيحتي الأولى من خلال تجارب عدة قاسية. 


اللحظة الجميلة هو تزيين الكعكة و التفكير بنوع الصلصة أو الكريمة الأفضل لكل كعكة، شخصيًا أتجنب كريمة الزبدة في أغلب الوقت إلا أن بعض الكعكات كالكعك الإنجليزي تناسبها كريمة الزبدة الخفيفة السكر لشربها مع الشاي. إضافة الفواكه فوق كعكة الليمون هي ما أحبه حقها خصوصا تلك التي تتماشى معها، كالكرز و الكيوي و الخوخ مؤخرًا اكتشفت مناسبة العنب أيضا لكعكة الليمون، بينما كعكعة البرتقال أنانية بعض الشيء تناسبها زينة السكر أو كريمة البرتقال و فصيلتها من الفواكه الحمضية كالليمون و البرتقال و الجريبفروت أو البرتقال الأحمر، كعكة التمر هي كعكة تشبه منازل الجدات المكتظة في عطل نهاية الأسبوع، برائحة الهال و القرفة مع حلاوة التمر الخفيفة مع صلثة التمر لا الجليب المكثف التي تبدو دخيلة للغاية. لدي لكل كعكة صفات محددة، فالكعكة التي تزين بالسكر أشبه بالفساتين الصيفية الناعمة أو “ قميص الروز المنعش” هي هادئة و بسيطة و منزلية للغاية، بينما الصلصة البيضاء المكونى من سكر و عصير ليمون أو برتقال هي كفتاة تتجهز لزيارة منازل عائلتها خفيفة و بسيطة و جمالها محبب النظر إليه، في الجانب الآخر كعكات الكريمة هي فساتين السهرات المختلفة ذات البريق و الألوان. 


ما بعد الخبز و التسليم: 

هذه مرحلة فاصلة في تقييم كل كعكة أتعامل معها، انتظار الزبائن لتقييم ما أكلوه و ردود أفعالهم، هي لحظات مليئة بالتوتر. هذه اللحظة غالبا ما تنتهي بردود فعل إجابية للغاية و أحاديث لطيفة. و أريد إخبار زبائني و أصدقائي و أفراد العائلة الذين تذوقوا أني أمتن لكل كعكة تمتدحونها و تخبرونني عن محبتكم لها. أخص بهذا كله والدي و إخوتي، فلا تمر كعكة لا يتذوقها والدي إلا و يقول لي “ هذه أطيب كعكة تذوقتها” و ساء كانت كذلك حقا أو لا فأنا أصدقه و أبتسم في كل مرة بينما قد يمتحني إخوتي بمديح مبالغ بضحكات جميلة للغاية مصاحبة القهوة و الشاي. تلك اللحظة أحب أن أسميها لحظة الجدوى .. فهي تخبرني عن جدوى ما أفعله و أمية الشعور المخلف بعد الطعام. 


المهم حقًا لي هو إحتفاظ كعكاتي اللطيفة و الجميلة بطابع الدفء المنزلي، لا أريد كعكات عجينة السكر التي غالبا لا تؤكل أو ترمى أغلب زينتها بل أريد كعكة تشبه تربيت جدتي و ابتسامات أفراد العائلة و صخب الأطفال. تهمني تلك المشاعر حين يجتمع أفراد أسرة على كعكة صنعتها ليخبرني زبائني عن ردود أفعال أمهاتهم و أهاليهم تلك لحظات لطيفة حقَا تهمني. 



أخيرًا هذه كانت تدوينة الشهر الأول لأنتقل بعدها لتجربة التدوين الشبه يومي، تعلمت منها أن البدايات صعبة و تحتاج للصبر دومًا، تعرضت فيها لنوبات الهلع و الفزع و الكثير من لحظات الإكتئاب و الدموع المذروفة على أرواح كعكاتي. أشكركم كلكم، كل من تواجد حولي من عائلتي و أصدقائي، كل شخص بادرني بنصيحة و كلمة طيبة و كل منا تذوقوا و كانوا بداية الدعم الأول لي، للجنود خلف الكواليس الناصحين المحبين، حتى و إن كانت نصائح البعض تبدو “ كقصف لجبهتي” لكن أمتن لكل لحظة تمر بتواجدكم و محبتكم .. أناس تويتر خصوصًا الشكر الأكبر لكم…. 


نهاية الشهر الأول من مشروع المخبوزات .. 

Join