ارضَ بقضاء الله تكن أسعد الناس

الآمال


للإنسان آمال وأحلام يعتقد بوصوله إليها، أنَّها ستجلب له


السعادة من حيثُ لا يحتسب، ولكن ليس دائمًا ما نضعه في مُخيّلتنا


يكون صحيحًا، ففي كثير من الأحيان تأتي الرياح بما لا تشهتي السفن،



كما قال المتنبي:


ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه


تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.

بطلة قصتنا -سلمى- حدث معها شيئًا لم تُرتّب له، رُبَّما لو دبّرتْ وفكرتْ


لم يكن بهذه الدقة في هذا التوقيت دون غيره. فما الطارئ الذي دخل


حياتها قلبها رأسًا على عقب، جعلها تعيش الحلم حقيقة، لكن في


الوقت نفسه، لم ينتهِ كما أرادتْ له؟ للأسف كان هناك جانب مظلم فيه ،


وظرف قاهر منع استمراره.

هل تريد –أيّها القارئ الكريم- معرفة أحداث قصة بطلتنا؟ إذًا لكَ ما


أردت، فتابعني.

ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه


تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن

المتنبي
مع الأسرة


كانت أسرة سلمى مكوّنة من ستة أفراد، الأم والأب وأربعة أبناء،

سلمى هي الكبرى.


الأم ربة منزل ليس لها همٌّ في الحياة سوى تربية أبنائها وتعليمهم كما تريد كل أم لأبنائها.


أما الأب فقد كان عاملًا بسيطًا في مخبز، يعمل فيه أكثر من عشرين


عامًا، وأنشأ أبناءه من عمله ذاك.

تعيش الأسرة في حي شعبي، كلُّ مَنْ فيه يَقْتاتون من الأعمال


اليومية، ولم يكن أبوسلمى بِدْعًا منهم.


مضتْ السنين وكبر الأبناء ووصل أصغرهم الآن نهاية المرحلة الابتدائية.

كانت الفتاة الكبرى -سلمى- هي مَنْ يُعين والدها على احتياجات المنزل؛


فقد عملتْ مساعدة في محل لبيع الملابس الجاهزة، لأنَّها لم تحصل


على عمل يناسب شهادتها الجامعية. تخرجتْ سلمى في كلية الهندسة


المدنية، لكن الوظائف تكاد تكون معدومة خاصة لمَنْ لا وسائط لهم.

يوم كئيب


عانى محمد -أبو سلمى- أمراضًا عدّة، فقد كان يعمل في فرن ليس فيه أدنى


مُتطلبات السلامة لعماله. أصيب بالرّبو بسبب الدخان المتصاعد طوال النهار في


المخبز. ساءتْ حالته يومًا بعد يوم، فأخبر ابنته سلمى بما وصلتْ إليه حالته، وقال


لها: لا تُتعبي نفسك يا ابنتي بعد اليوم بشراء الأدوية لي، ولا حتى بالتفكير من أين


ستأتين بالمال لشرائها. قال له: لماذا تقول ذلك يا والدي؟ ستُشفى -إن شاء الله-


تأكد من ذلك، فقط ثِقْ بالله ولا تفقد الأمل، فالله على كل شيء قدير. قال لها:


أعلم ذلك جيّدًا يا ابنتي، لكنني أكثر إنسان يعلم حقيقة حالته.

تركتْ سلمى غرفة أبيها في حالة نفسية مُدمّرة، وأخبرتْ والدتها بما حدث.


قضتْ سلمى ليلتها تفكر في أبيها وصحته، ولم تُرد الذهاب إلى العمل في اليوم


التالي؛ للاعتناء بأبيها، لكنها كانتْ مضطرة لذلك.

وفي أثناء وجودها في العمل، اتصلتْ عليها والدتها، وطلبتْ منها المجيء إلى


البيت فورًا. هرعَتْ إلى البيت لا ترى أمامها، فقد قُبض قلبها من صوت والدتها.

دخلتْ البيت ووجدتْ مجموعة من النساء يبكينَ، سألتْ: ما الذي حدث؟ قال


إحداهنَّ: أبوكِ يا سلمى، رحمه الله. ضاقتْ عليها الأرض بما رحُبتْ، وأحستْ وكأن


البيت كله يدور. أسرعتْ إلى غرفة أبيها حتى تودّعه الوداع الأخير. بعد انتهاء مراسم


الدفن، كانتْ سلمى آخر من غادر المكان، لم تكن تصدّق ما حدث، وأنَّها لن ترى


والدها بعد الآن.

المسؤولية


بطلتنا هي الشخص الوحيد في الأسرة الآن تقع على عاتقه مسؤولية الإنفاق.


الحِمْل ثقيل، المشوار طويل، والكلّ يريد منها، لا أحد يفكّر بها، هي بالنسبة لهم


مصدر الأمان والاطمئنان بعد الوالد رحمه الله.

تعمل ليلًا ونهارًا لتلبية متطلبات البيت، ومتطلبات إخوانها. لم تُقصّر يومًا، لا تدّخر


جَهْدًا حتى لا يحسّوا أنهم فقدوا عائِلهم.


كانت تتردّد على قبر والدها كل ما سَنحتْ لها الفرصة بذلك، لا ترتاح إلا حين تذهب


إليه، وتحدّثه بكل ما في نفسها، فرحًا كان أم حزنًا؛ فلا أصدقاء لديها في الحياة،


كان والدها صديقها الصدوق الذي تلجأ إليه كلما ضاقتْ بها الدنيا، وأرادتْ قلبًا حانِيًا


صافيًا يسمعها، وينصحها بما ينفعها في الوقت نفسه.

!فماذا عرفتْ سلمى يا تُرى؟

 

مضتْ سنوات وسلمى على هذه الحال، تذهب الفينة بعد الفينة إلى قبر


والدها،إلى أن أتى يوم حدث فيه شيء عجيب لم تصدّقه، ولكن قررتْ التأكد ممّا


سمعته، ومعرفة حقيقة ما يجري. فماذا عرفتْ سلمى يا تُرى؟!

 

الكنز


يوم مثل أيّ يوم، كانتْ فيه سلمى تزور قبر أبيها كعادتها، لكن تأثيره لم يكن عاديًّا


في حياتها.

في أثناء خروجها من باب المقبرة، سمعتْ شابان يتحدثان عن رغبتهما في التّوجه


ليلًا إلى مقبرة بعينها، لأنهما يريدان استخراج جرّة مليئة بالذهب مدفونة هناك،


كانتْ لأحد أعيان المدينة.

سمعتْ سلمى الكلام وقالتْ: جرّة! ذهب! يا إلهي هل أنا أحلم أم هذا يقين؟!


تبعتْ الصوت في خِفْية حتى لا يُلاحظ أحد وجودها، عندما اقتربتْ من مصدر


الصوت، وسمعتْ اتّفاق الشابين والمكان والزمان الذي ستكون فيه المهمة، لمعتْ


فكرة مجنونة في خاطرها، وقالتْ لنفسها: أنا أحقّ منهما بهذا الكنز، حالي لا


يعلمه إلا الله، أعيش في فقر مُدْقع منذ أتيتُ إلى الدنيا، والحالة ازدادتْ سوءًا


بعد وفاة والدي، أنا وأمي وإخوتي أحق بهذه الجرّة من هذين الشابين، فهما لا


يحملان المسؤولية التي أحملها، ولا ينتظرهما ما ينتظرني.

Join