سورة الطور الآية (٣٠)
“ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ “
ريب المنون أي حوادث الدهر، وقد وردت على لسان شاعر الجاهلية المعروف الأعشى في معلّقته قبل أن تنزل في القرآن.
أَأن رَأَتْ رَجُلاً أَعْشَى أَضَرَّ بِهِ
رَيْبُ المَنُونِ، وَدَهْرٌ مُفْنِدٌ خَبلُ
وكان الأعشى ممن عاش الجاهلية وادرك الإسلام، وُلد في منفوحة وفيها داره وقبره -منفوحة قريةٌ باليمامة قديماً وهي الآن حيّ من احياء الرياض-
يُسمى بـ صنّاجة العرب لأنه أول من ذكر الصنج في شعره ولأنّ العرب كانت تتغنى بشعره.
نشأَ راوياً لشعر خاله المسيب بن علس ثم نبغ في الشعر حتى علا اسمه على اسم خاله.
كان يفد على الملوك من كسرى وفارس والمناذرة والحيرة، مدحَ يوماً الأسود بن المنذر أخو النعمان بن المنذر فقال النعمان:
> لعلّك تستعين على شعرك هذا؟!
فقال الأعشى :
> احبسني في بيت حتى أقول!
فحبسه في بيت فقال قصيدته التي أولها:
أأزمعت من آل ليلى ابتكاراً ... وشطت على ذي هوى أن تزارا
وقال ايضاً :
لسنا كمن جعلت إياد دارها
تكريت تنظر حبها أن يحصدا
جعل الإله طعامنا في مالنارزقا تضمنه لنا لن ينفدا
مثل الهضاب جزارة لسيوفنافإذا تراع فإنها لن تطردا
ضمنت لنا أعجازهن قدورناوضروعهن لنا الصريح الأجردا
وهو يشير هنا إلى "تكريت" الموجودة بنواحي الموصل في العراق. و سُميت نسبةً إلى تكريت بنت وائل بن قاسط اخت بكر. وقد أبعد الساسانيون بعض بطون "إياد" من تغلب إلى تكريت فأجبروهم على الإقامة بها فتعلّموا الزراعة وزرعوا الحَب. وقد كانت الزراعة مزدراة في نظر العرب، ولهذا تبجّح الشاعر عليهم وافتخر بكون قومه أصحاب إبل.
كما كان الأعشى ينادم هوذة بن علي الحنفي ملك اليمامة ويمتدحه كثيراً، وكان نصرانيا وكذلك الأعشى، فكان يزور الحيرة كما كان يزور أسقف نجران، وله راوية يروي شعره اسمه يحيى بن متّى من عُبّاد الحيرة. وكان يشير في شعره إلى أمور توراتية مثل حمامة نوح وأخبار سليمان ولا يُعرف هل أخذها من التوارة أو أنه سمعها من رجال الدين و نصارى الحيرة.
قال في مدح هوذة بن علي بن ثمامة الحنفي قصيدة مطلعها:
أحيتك تيًّا أم تركت بدائكا
وكانت قتولاً للرجال كذلكا
وأقصرت عن ذكري البطالة والصبا
وكان سفيهاً ضلة من ضلالكا
إلى أن قال:
إلى هوذة الوهاب أهديت مدحتي
أرجي نوالا فاضلا من عطائكا
تجانف عن جو اليمامة ناقتي
وما عمدت من أهلها لسوائكا
ومن شعره في مدح هوذة قوله:
له أكاليل بالياقوت زينها
صواغها لا ترى عيبا ولا طبعا
وقوله:
وكل زوج من الديباج يلبسها
أبو قدامة مجبورا بذاك معا
كما زار اليمن وجاءَ ملكاً يُدعى ذي فائش الحميري فمدحه في بيتٍ شهير :
إن محلا وإن مرتحلا
وإن في شعر من مضى مثلا
استأثر الله بالوفاء وبالــعدلوولى الملامة الرجلا
الشعر قلدته سلامة ذافائش والشيء حيث ما جعلا
فقال الملك الحميري ذي فائش : صدقت! والشيء حيثُ ما جُعِلا
فأمر له ب ١٠٠ ناقة ثم اعطاه كِرشاً مدبوغة ومملؤة عنبراً وقاله له :
> إياك أن تُغلَبَ عليها. - أي لا يخدعك أحد فيشتريها منك بثمن بخس-
فأخذ الأعشى الكرش إلى السوق واشتراها منه أحد الناس ب ٣٠٠ ناقة حمراء.
فأضحى غنياً بالابل وخائفاً على ضياعها ويحتاج إلى من يرعاها ويهتم بها ويحفظها من السُرّاق، فمّر على رجل من أجواد العرب واقواهم يُقال له علّقمة العامري بن علاثة
وكان لعلقمة غريم اسمه عامر بن الطفيل فكان بينهما نِفار اذ كانا يتنافسان في المجد والناس تتحاشى أن تقول هذا أفضل من هذا خوفاً من كلاهما.
فجاء الاعشى لـ علقمة وقال له : أريدك أن تجيرني -خوفاً من ضياع ابله-
فقال له علقمة : أجيرك من الأحمر والأسود! - أي أجيرك من كل شيء-
فقال الأعشى : و من الموت؟
فقال علقمة: أما من الموت .. فلا!
فتركه وذهب إلى خصمه عامر بن الطفيل فقال له : أريد ان تجيرني!
فقال عامر بن الطفيل : أجيرك من الاحمر والأسود !
فقال الأعشى : ومن الموت؟
فقال عامر بن الطفيل : ومن الموت!
فتنبّه الاعشى من الجواب وقال : وكيف تجيرني من الموت؟
فقال عامر بن الطفيل : اذا متْ وأنت في جواري وديتك -أي دفعت ديتك-
قال علقمة لما سمع بالخبر :
> لو علمت أن هذا مقصوده لأجرته!
فحكم الاعشى بشعره على أن عامر بن الطفيل افضل من علقمة العامري رغم أنه شاع في الناس جود علقمة!
فقال هاجياً علقمة :
تَبِيتونَ في المَشْتَى مِلاءً بُطونُكُمْ
وجاراتكمْ غَرْثَى يَبِتْنَ خَمَائِصَا
وهو بذلك كذب كذبة كبيرة على علقمة اذ لايمكن لك مثلاً أن تقول الآن بعد اكثر من ١٤٠٠ سنة أن حاتم الطائي بخيل ! لن يصدقك احد بل سيرجمك الناس لأنه شاع من مئات السنين أنه كريم ، كذلك علقمة شاع بين الناس أنه أجودهم وأنه لايرد احداً جاءه.
فكان ردة فعل علقمة أن أهدرَ دم الأعشى فأصبح الكل يبحث عن رضا علقمة
فأُوتيَّ بـ الأعشى إلى علقمة فعفى عنه! لأنه يدرك بأنَّ شعرهُ لايغسله إلا شعره! فمدحه وانتهى الامر.
ثم قُدِّر أن تصيب عامر بن الطفيل أنفة، فجاء إلى الرسول ﷺ على رأس وفد وقت بزوغ الدعوة للإسلام وكان يقول له قومه :
> يا أبا عامر إن الناس قد اسملوا فأسلم!
فقال عامر بن الطفيل :
> والله لقد كنت آليت ألا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي، فأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش؟
قال له الرسول : يا عامر أسلم!
فقال عامر بن الطفيل : يا محمد .. ما تجعل لي إن اسلمت؟
فقال ﷺ : لك ما للمسلمين وعليك ماعليهم!
فقال عامر بن الطفيل : أتجعل لي الأمر أن اسلمت من بعدك؟
فقال ﷺ : ليس ذلك لك ولا لقومك، ولكن لكَ أعنةَ الخيل
فقال عامر بن الطفيل : أنا الآن في أعنة خيل نجد، إجعل لي الوبر ولك المدر.
فقال ﷺ : لا
فولى عامر وهو يقول: والله يا محمد لأملأنها عليك خيلا جرداً، ورجالا مُرداً
فقال ﷺ : اللهم اكفني عامر بما شئت
فأصابته غدة في رقبته ومات في بيت امرأة من آل سلول.
وهو الذي حازَ في العرب مجداً لكن بأنفته ضيّعه! فأصابته غدة كانت تصيب البعير ومات في بيت سلولية!
وأما علقمة فقد اسلم وحَسُن اسلامه.
و أما الأعشى فقد عَمّي أخر أيامه وتحكمت به الشيخوخة، وصار عاجزاً يقوده قائد، وقد وصف شيخوخته وصفاً مؤلماً صادراً من قلب منفطر حزين يبكي أيامه الأولى التي حلت محلها أيام لا يفرّق فيها الأبيض من الأسود ولا الليل والنهار، ثم هو وحده لا خمر ولا امرأة ولا لحم دسم، وقد حاول أن يُسلِم لكن ردّته قريش وهو في الطريق، وبذلك تكون حياته قد تربّص بها ريب المنون💔