المتاجرة في الأحداث
وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ۗ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ
سورة الانعام الاية ١٢١
كان العرب يترددون على العراق، وكان مشركو قريشٍ و فارس يتكاتبون فيما بينهم،فكانت اخبار العرب تصل للعراق وفارس.
حينما نزل تحريم الله ورسوله للميتةَ، وتحليله للمذكاة؛ كَتَبَ مشركو فارس لمشركو قريش : جادلوا محمد واسألوه :
أ حلالٌ تأكلونَ ماتذبحه أنت واصحابك وحرامٌ أن تأكلوا ما ذبح الله؟
فكتب بذلك مشركون قريش إلى أصحاب محمد ﷺ فوقع في أنفس بعض المسلمين شيء ، فأنزل الله هذه الآية.
قتل الحسين كان امرٌ جلل وخطبٌ عظيم،قُتل ظلماً وعدواناً بلاشك وبعد مقتله حدثت الفتن في الأمة، لأن الرسول ﷺ كان يجلّه كثيرا ، كيف لا وهو سبق أن قطع خطبته لأجل الحسن والحسين من عظيم قدرهم عنده ﷺ
جاؤُوا بِرَأْسِكَ يا ابْنَ بِنْتِ مُحَمّدٍ
مُتَرَمِّلاً بِدِمائِهِ تَرْمِيلا
وكأنّما بِكَ يا ابْنَ بنتِ مُحَمّدٍ
قَتَلوا جَهاراً عامدينَ رَسُولا
قَتَلُوكَ عَطْشَاناً ولَمّا يَرْقُبُوا
في قَتْلِكَ التنِّزيلَ والتّأْويلا
ويُكَبِّرونَ بِأَنْ قُتِلْتَ وإنّما
قَتَلوا بكَ التّكْبيرَ والتّهْليلاَ
ديك الجن- شاعر عربي عباسي
دائماً عندما يأتي حَدَث، يتسلّق على الحَدَث عشرات الناس
منهم الذي يريد الحق ومنهم الذي يريد الباطل .. ومازال الحال كذلك
جاء رجل اسمه المختار بن ابي عبيد الثقفي و أوهم الناس أنه يدافع عن آل بيت رسول الله ﷺ و أنه ينتقم لقتلة الحسين وأنه اخذ الثآر من قتلة الحسين.
فما زال يشيع في الناس حتى زعم أنه يُوحى إليه ! حتى ذات مرة زاره احدهم في بيته وكان المختار جالساً وعنده وسادة يتوسدها، وكان الزائر ينظر إليه يريد أن يناوله إياها، فقال المختار :
لولا أنَّ جبريل للتو قائماً منها ؛ لأعطيتك اياها !!
في اشارة إلى قداستها وطهارتها وأنها لاتكون إلا للانبياء
فوصل الخبر لحبر الأمة ابن عباس رضي الله عنه بأنَّ المختار الثقفي يزعم انه يأتيه الوحي
فقال ابن عباس : صَدَقَ
فانتفض الرجل الذي نقل له الخبر وقال : اقول لك أنَّ المختار يزعم أنه يأتيه الوحي!!!
قال ابن عباس : نعم صدق! الوحي يا بُنّي وحيان : وحي رحمن ووحي شيطان
فوحي الرحمن ينزل على محمد ﷺ واخوته من الأنبياء ، ووحي الشيطان ينزل على المختار وامثاله ، ثم تلى : وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ
انظر إلى فطنة ابن عباس ومَلَكة استحضار آيات القرآن بواقعية الحال وهذه مَلَكة لاتجدها إلا عند قلة من المفسرين
فهو مباشرة حينما جاءه الرجل واخبره لم يغضب ولم ينفعل
بل رد بفطنة واقناع وربط بآيات الله سبحانه، فضلاً عن كونه بذلك هدء من روع ناقل الخبر وحذّر من إطاعته وإلا يكون من المشركين
بعد مقتل الحسين و إدعاء المختار واختلاف الناس على بني امية واصبحت الامة اشتاتا؛ ظهر مصعب بن الزبير والي العراق عن اخيه عبدالله بن الزبير الذي كان يسيطر على الحجاز.
ثم إنَّ مصعباً هزم المختار، فجاءه في قصره وأمّن اهله ثم قتله نكالاً في قتل المختار لعبيد الله بن زياد الأموي، وقتل معه زوجته بنت النعمان،وكان المختار بن ابي عبيد متزوج بنت النعمان بن بشير الانصاري رضي الله عنه فابوها صحابي واخوالها من الصحابة فشقّ على الناس قتلها وعاتب الناس مصعباً واستهجنوا فعله.
ثم قُدّر أنَّ رجلاً يأتي فيقتل مصعب بن الزبير ثأراً للمختار ويحمل رأسه هدية إلى خليفة بني امية في الشام عبدالملك بن مروان، فلما رأى عبدالملك رأس مصعب خرّ ساجداً اذ أنّه الآن انفرد بالملك، وكان مصعب خصمٌ لعبدالملك وكان من قبل تجمعهما علاقة طيبة في الحجاز قبل أن تدخل الدنيا بينهما.
كان مصعب اميراً كريماً ثرياً جميلاً ومتزوج من اثنتين من أجمل نساء عصره وهنّ : سكينة بن الحسين و عائشة بنت طلحة وكان مصعب يتمنّاهما من قبل فظفر بهما، فالجميع يظن ومنهم عبدالملك أنّ مصعباً متشبثٌ بالدنيا ولن يُقدم على الموت ولديه هذه المكتسبات بخلاف من لايملك شيء! سيُقبِل على الموت بلا هوادة لأنه ليس لديه شيء يخسره!
لذا حينما بدأت علاقتهما تسوء ، شقّ على عبدالملك أن يحارب مصعب ظناً منه أنه لن يترك الدنيا ويُقدم على الموت وعنده ماعنده من المكتسبات !
فكان يقول له : أنا ابن عمك دعنا نصطلح و أنا سأوليك فانضم إليّ
لكنه تفاجأ برد مصعب حينما قال:
مثلي لا يخرج من هنا إلا غالب أو مغلوب
مصعب بن الزبير
لما همّ مصعب بالخروج لحرب عبدالملك، كان عند زوجته سكينة بنت الحسين ، رآته وهو يلبس لباس الحرب فغلب على ظنها أنه سيُقتل وقالت له:
وأحزناه عليك يا مصعب💔
فتوقف مصعب برهة.. وقال : أوا تحبيني إلى هذا الحد؟!!
قالت : وما اخفيه اكثر 💔
قال : ليتني كنت ادري من قبل لكان لي معك شأنٌ اخر💔
كثيرون الذين بيننا مثل سُكينة .. فخسرونا للابد💔
يدّعون أنهم يحبوننا لكن لايخبروننا إلا حينما نكون على فراش المرض أو على شفا موت أو سفر الخ
مساكين .. يبطِنون الحب أدهر مكابرة!
يعاملوننا بجفاء امام الناس واحياناً بإساءة!
ويتوقعون منا أن نعرف ونفهم أنهم يحبوننا!
ثم اذا وصلنا معهم لأصعب اللحظات .. للنهايات.. قالوها لنا!
لكن بعد ماذا؟
و عدّادُ العمر قد قارب آخره والروح قد ذبلت فهي تميل لمن يسقيها والقلب ماعاد ينبض كما كان. و أظلمُ الناس لنفسه، من رغب في مودة من لا يراعي حقه كما يقول الشافعي.
قال محمد ﷺ :
إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه!!
وقال لي مرة احدهم نصيحة عامية اخذتها درساً لي في العلاقات :
اللي يحبك بالكلام حبّه على قد الكلام
واللي يحبك بالفعل حقق لعينه ما فعل
#الحب للشجعان
نعود لمصعب وعبدالملك ..
مصعب قد يكون شجاع لكنه ليس له درايةً بالحرب مثل عبدالملك الذي قد احتاط لنفسه.
بعث عبدالملك لقائد يوالي مصعب يريد أن يحيّده فينحاز له وينضم إليه، فأخذ القائد الكتاب الذي جاءه من عبدالملك واعطاه مصعب ليقرأ ما فيه
ففتحه مصعب ووجد أنَّ عبدالملك كتب للقائد يغريه لينحاز إليه
فلم يهتم مصعب
لكن القائد انفعل وكان فطناً فقال :
> لقد بعث إلي والاكيد أنه بعث إلى غيري من قادة القبائل ،، فأقطع رقابهم <
قال مصعب : لا .. وماذا افعل بإتباعهم؟!
قال القائد : إذاً قيّدهم !
قال مصعب : لا .. سأبعث إلى امير المؤمنين عبدالله بن الزبير!
قال القائد : أي امير الآن !! ما أنا إلا أنا وانت والموت -يقصد أنه لاوقت لمراسلة عبدالله الآن الامر عاجل وجلل-
فرفض مصعب وما أصبح الصباح إلا وكل القادة انضموا لعبدالملك بن مروان ولم يتبقى معه إلا ٧.
فجاءه زياد بن ظبيان وطعنه عدة طعنات ، ثم جاءه رجل كان من شيعة المختار بن ابي عبيد فقال : يا لثارات المختار الثقفي!
فأجهز عليه وقطع رأسه ثم حمل رأسه لعبدالملك بن مروان كما مر معنا اعلاه.
ففكر الرجل حينما رأى عبدالملك ساجد أن يقتله ايضاً ليقول عنه الناس أنه قتل مَلَكيّ العرب في وقت واحد ! لكنّ عبدالملك قام قبل أن ينفذ الرجل نيته.
ولست بقاتلٍ رجل يصلي..
على سلطان آخر من قريشِ..
له سلطانه وعلي إثمي..
معاذ الله من جهل وطيشِ..
أأقتل مسلماً في غير جرمٍ..
فليس بنافعي ما عشتُ عيشي..