الفرق بين الأسف و الإعتذار
وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ
سورة يوسف الاية ٨٤
تولّى يعقوب عليه السلام عن أولاده لمّا بلغه خبر بنيامين،فتتام حزنه وبلغ جهده وجدد الله مصيبته في يوسف فاشتد به الأسف والأسى، وابيضّت عيناه من الحزن الذي في قلبه، والكمد الذي أوجب له كثرة البكاء.
الأسف هو أشدُّ الحزن والندم مع لهفة عليه، وهنا يتأسف ويتحسّر يعقوب على نفسه حينما وافق على ذهاب يوسف معهم وكيف ضاع من يديه.
و آسف تختلف عن عذراً رغم انّ كلاهما ديباجة طلب اعتذار لكن الفرق
أنَّ آسف تُقال للنفس ولمن هم قريبون من النفس ولهم مكانة شخصية رفيعة وعمق عاطفي كبير لدى المخطيئ الذي يشعر بالحزن والندم الشديد بسبب الفعل الخطأ وهذا شرط آسف(الحزن والندم+العمق العاطفي مع الشخص الذي وقع عليه الخطأ)
بينما عذراً تُقال في مواقف رسمية لطلب إلتماس تبرير الفعل الخطأ لكن بلا عاطفة عميقة نحو الاشخاص.
والسؤال الآن : هل كلُ احد نقول له آسف؟
طبعاً لا ، آسف لا تقال إلا لمن له مكانة في القلب مثل الام والاب والحبيب والقريب ، بينما لاتُقال للغريب لاختلال الشرط (فالغريب ليس له مكانة عميفة في النفس ولا يتوفر في الخطأ معه حزن وندم مثل القريب)
بالتالي الغريب يُقال له عذراً.
إنَّ الإعتذار وتدارك الأخطاء وتحمل مسؤلية إصلاح ما انكسر هو شجاعة و من علامات قوة الشخصية لدى المرء، لكن ليس الجميع لديه هذه القدرة.
فالبعض يتوارى عن الأنظار حين يُخطيء، دون تمحيص منه ومحاسبة ومراجعة وهذا ضعيف بالكلية.
والبعض يعلم أنه مخطئ لكنه يكابر ويآنف عن الاعتذار ظناً منه أن ذلك يهدد مقامه أو يحط من شأنه،فيراوغ ويلف ويدور ولا يعترف بخطأه مهما كلّف الأمر وهذا جبان.
والبعض لايرى نفسه مخطئاً ويمرر الحياة وكأنَّ شيئاً لم يكن،فتتكرر معه المشاكل بسبب اخطاءه المتراكمة التي لايعترف بها ويبقى متمسّكاً ببراءته منها،فلا يلبث أن ينتهي من خطأ حتى يدخل في آخر دون أن يحاسب نفسه ويُقدِم على الإعتراف بالخطأ بجبين مرفوع وكتف مفرود،فيبقى في دوامة مستمرة من المشاكل مع الحياة ومَن فيها، فتتراكم الدروس والعبر دون استيعاب لها وتصبح محاسبة النفس امراً ثقيلاً عليه لأنه ببساطة لم يعتد ترويض نفسه وتطويعها على الإعتراف بالخطأ واصلاحه وهذا في الغالب أحمق ، اذ يرفض النصح ويعجز عن استيعاب ماتراكم عليه من اخطاء من تلقاء نفسه، وسيبقى هكذا مالم يعقد العزم على التغيير بالخروج من قالب الحماقة وقبول النصح ممن يؤخذ منهم الرشد، وتطويع النفس على الاعتراف بالخطأ واصلاحه متى ما استلزم الأمر،والله لايغيرُ ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
و البعض بلا شخصية، تراه يعتذر على كل آن وحين وعلى الطالع والنازل! دون وعي بالخطأ وتجاه مَن وامكانية عدم التكرار وتصحيح المسار.
أما البعض .. فطن، الإعتذار عنده علم ودراسة وكياسة، يعرف اذا اخطأ أنه اخطأ ولا يجد حرجاً من الاعتراف بالخطأ وتحمل مسؤلية التصحيح ، فيبادر بالتأسف ويجلّ النفوس مقاماتها منكسراً إليها لبيان صدق الاعتذار والندم على ما بدر من خطأ قائلاً بصوت واضح جهوري آمن :
أنا آسف اخطأت في حقك وسأعمل على اصلاح ما يلزم