أزمة العلم.. موسى والخضر
وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا
سورة الكهف الاية ٦٠
يقول أُبي بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول :
إنَّ موسى قام خطيباً في بني إسرائيل فذكّر الناس بالله ودعاهم حتى فاضت العيون ورقت القلوب ، فتولّى فأدركه رجل فقال لموسى : أيّا رسول الله هل في الأرض أحدٌ أعلم منك؟
قال موسى : لا
فعَتِبَ الله عليه إذ لم يرد العلم إلى إليه، فأوحى الله إليه أنَّ لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك.
قال موسى : يا رب فكيف لي به؟
قال : تأخذ معك حوتاً فتجعله في مكتل-زنبيل- فحيث ما فقدت الحوت فهو ثمّ . فأخذ حوتاً ميتاً فجعله في مكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رأسيهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر ، فاتخذ سبيله في البحر سرباً وأمسك الله تعالى عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق-الحاجز- فلما استيقظ نسي يوشع أن يخبر موسى عن امر الحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه :
آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا
وكان موسى لم يصاب بالتعب إلا حينما تجاوز المكان الذي أُمر به
قال له فتاه يوشع : أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيتُ الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجباً.
فكان للحوت سرباً ولموسى ولفتاه عجباً
قال موسى : ذلك ما كنا نبغ! -لم يغضب عليه ولم يلمه لانه رفيق رحلته وخادماً له والعاقل من يملك نفسه عند الغضب-
فرجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوب فسلم عليه موسى فقال الخضر عليه السلام : و أنّى لأرضكَ السلام؟! من أنت؟
فقال موسى : أنا موسى
قال الخضر : موسى بن عمران رسول بني إسرائيل؟
قال موسى : نعم .. أتيتك لتعلمني مما عُلمتَ رشدا
قال الخضر : إنك لن تستطيع معي صبرا يا موسى ، إني على علم من الله علمنيه لا تعلمه أنت ، وأنت على علم من علم الله علمك الله لا أعلمه.
فقال موسى : ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا.
فقال له الخضر : فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا.
فانطلقا يمشيان على ساحل البحر -قيل بحر فارس وقيل بحر طنجة-فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم ، فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول ، فلما ركبا في السفينة لم يضح إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة بالقدوم ، فقال له موسى : قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها؟ لقد جئت شيئا إمرا!
قال الخضر : ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا ؟!
قال : لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا
فجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر :
ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر ثم خرجا من السفينة ، فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان ، فأخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده فقتله
فقال له موسى : أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا!!
قال الخضر : ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا؟!
قال موسى : وهذه أشد من الأولى ، إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا -هذا شرط موسى-
فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية طلبا من اهلها طعاماً فأبوا اهل القرية من لؤمهم أن يضيفوهما، قيل هذه القرية هي انطاكية وقيل هي برقة -بلدة في الاندلس-فأطعمتهما امرأة من أهل بربر بعد أن طلبا من رجال القرية طعام فلم يطعموهما-وهنا يستدل على أن المرأة أكرم من الرجل-
فدعا الخضر لنسائهم ولعن رجالهم.
ثم وجدا فيها جداراً مائلاً يكاد أن يسقط فأقامه الخضر وموسى لم يتدخل.
قال موسى : قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا لو شئت لاتخذت عليه أجرا ؟قال الخضر : هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا
فبدأ الخضر يفصّل في المواقف التي حدثت، فبدأ بالسفينة التي كانت واقفة على الشاطئ وكانت لمساكين يملكونها ويعملون في البحر لكن قوتهم لايكفيهم رغم انهم يملكون السفينة، اذ أن هناك ملك يأتي بسفنه وجنده ويسيطر على ماهو امامه غصباً! وكان الخضر يعلم ذلك وموسى لايعلم.
فعطّل السفينة وعابها وبذلك السفينة لن تمشي ولن يستطيع الملك السيطرة عليها.
ثم استرسل مكمّلاً تفنيده في الموقفين الأخرين.