سورة آل عمران الآيات ٨٥-٨٩

وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)

في عهد محمد ﷺ أرتد عن الاسلام ١٢ رجلاً فخرجوا من المدينة وأتوا مكة كفاراً ، منهم الحارث بن سويد الأنصاري ثم ندم فأرسل إلى اخيه الجلاس بن سويد يقول : سلوا رسول الله .. هل لي من توبة؟!

فنزلت الآيات :

كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(86)

أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87)

خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ (88)

إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (89)

فحملها إليه رجل من قومه فقرأ عليه الآيات، فقال الحارث:

< إنك والله ما علمتُ لصَدُوقٌ، وإنّ رسول الله ﷺ لأصدقُ منك، وإنّ الله عز وجل لأصدق الثلاثة > فأسلم وحسُن اسلامه

التوبة وظيفة العمر والله يحب التوابين بل ويوفقهم ويُعلي شأنهم اذا صدقوا في توبتهم، لأنهم تابوا + اصلحوا بعد أن كان يتعجب من صنيعهم بقوله مستفهماً :

كيف لي أن اهدي قوماً كفروا بعد ايمانهم!

وشهدو الرسول !!

وجاءتهم البينات!!!

والشواهد لتوفيق الله للتائبين كثيرة من قديم أو حديث، فهذا عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد ووحشي بن حرب وعكرمة بن ابي جهل والقائمة تطول بأسماء معاصرين ايضاً لايسعني تسميتهم كانوا في جهة مغايرة من الحق فاهتدوا وتغيّرت مواقفهم واصبحوا رموزاً و أحبهم الناس وقرّبهم السّاسة لأنهم : تابوا و اصلحوا.

الضحّاك بن قيس بن معاوية بن الحصين التميمي البصري،وُلد قبل هجرة الرسول ﷺ ب٢٠ سنة. أي أنه عاش في زمن الرسول ﷺ لكنه لم يره، ويعد من الطبقة الاولى من التابعين، وهو من بيت متوسط الحال من بني سعد من تميم، ليس من سادتهم ولا من وضعائهم، حين كان طفلا قتلَ عنترة بن شداد جده معاوية في يوم الفروق في الجاهلية ثم قُتل أبوه من قبل بنو مازن بن مالك بن عمرو بن تميم على إثر يوم الفروق، فنشأ يتيماً في كنف أمه الباهلية وعميه : المتشمس و صعصعة.

إلى جانب يُتمه؛ وُلد بعيب في رجله فكان أعوجاً ، اصلعاً ، متراكم الاسنان فلا طلة بهية تسعفه، ولا وجاهة اجتماعية ترفعه، ومع ذلك كانت امه تتوسم فيه الذكاء والسؤدد اذ كانت تراقصه وتداعبه وتغني له وهو صغير قائله :

والله لولا حَنفٌ برجله

وقلةٌ اخافها من نسله

ماكان من فتيانكم مثله

حبة بنت عمرو بن قرط بن ثعلبة

هذا هو الأحنف سيد بنو تميم، نشأ عاقلاً حليماً مثالياً يستحي أن يأتي ما يعيبه الناس مخافة أن يزدريه أو يسيء لسمعته، وهذا والله يحتاج إلى مجاهدة في النفس ايما مجاهدة وهمة عالية في القلب لايقواها أي احد حتى ساد قومه وبهر زمانه كلهم

قال رجل للاحنف بن قيس :

< بأيِّ شيءٍ سُدتَ تميمًا؟!!

فوالله ما أنت بأجودِهم ولا أشجعهم ولا أجملهم ولا أشرفهم؟! <

قال الأحنف :

بخلاف ما أنت فيه!

قال الرجل : وما خلاف ما أنا فيه؟

قال الأحنف : ترْكي ما لا يَعنيني من أمور الناس، كما عناك من أمري ما لا يعنيك.


ذات مرة سأله ابن مبارك : بما سُدتَ الناس ؟

قال الأحنف : والله لو انَّ الناس عابوا الماء لما شربته!

لك ان تتخيل إلى أي درجة ينفر من أي يشيء يعيبه أو يقدح فيه ويقلل من شأنه

قيل للأحنف: ممَّن تعلمتَ الحِلم؟

قال :

مِن قيس بن عاصم المنقري، رأيتُه قاعدًا بفناء داره، محتبيًا بحمائل سيفِه، يُحدِّث قومه، حتى أُتي برجل مكتوف، ورجل مقتول، فقيل له: هذا ابنُ أخيك قَتَل ابنَك، فوالله ما حلَّ حُبوتَه، ولا قطع كلامه! ثم التفتَ إلى ابن أخيه، وقال: يا ابنَ أخي، أسأتَ إلى رَحِمك، ورميتَ نفسك بسهمك، وقتلت ابن عمِّك، ثم قال لابنٍ له آخر: قُمْ يا بني، فحلَّ كتاف ابن عمِّك، ووارِ أخاك، وسُقْ إلى أمِّه مائةَ ناقة دية ابنها، فإنها غريبة، ثم أنشأ يقول:

إِنِّي امْرُؤٌ لاَ يَطَّبَى حَسَبِي

دَنَسٌ يُهَجِّنُهُ وَلاَ أَفْنُ

مِنْ مِنْقَرٍ فِي بَيْتِ مَكْرُمَةٍ

وَالْغُصْنُ يَنْبُتُ حَوْلَهُ الْغُصْنُ

خُطَبَاءُ حِينَ يَقُولُ قَائِلُهُمْ

بِيضُ الْوُجُوهِ مَصَاقِعٌ لُسْنُ

لاَ يَفْطِنُونُ لِعَيْبِ جَارِهُمُ

وَهُمُ لِحِفْظِ جِوَارِهِ فُطْنُ

الأحنف كان مضرباً للمثل في الحكمة والحلم والسمت الرفيع والصمت إلا حين يُطلب منه رأي أو مشورة.

حينما ارسل ﷺ وفد لليمامة يدعو بنو تميم في السنة ٩ من الهجرة ،كان الاحنف جالساً في قومه، فلما فرغ قومه من سماع الوفد ألتفتوا على الأحنف وقالوا : ما تقول ؟

قال الأحنف :

> إنه ليدعوكم إلى خير وما حسن إلا حسنًا <

بينما كنت أطوف بالبيت في عهد عثمان بن عفان، إذ جاء رجل من بني ليث فأخذ بيدي فقال: ألا أبشرك؟ فقلت: بلى

قال: هل تذكر إذ بعثني رسول الله ﷺ إلى قومك بني سعد فعرضت عليهم الإسلام ودعوتهم إليه؟ فقلتَ أنت: إنه ليدعوكم إلى خير وما حسن إلا حسنًا؟

وقد بلغتُ ذلك إلى رسول الله، فقال ﷺ

“اللهم اغفر للأحنف”

فقال الأحنف: هذا من أرجى عملي عندي.

الأحنف بن قيس

أرتد الاحنف هو و عمه المتشمّس عن الاسلام في زمن مسيلمة الكذاب، اذ اتفقتْ بنو تميم كلها وفيهم رؤساء الناس وسادتهم على نصرة سجاح التي عمدت في جيشها إلى مسيلمة الكذاب باليمامة،ثم سرعان ما اكتشف الأحنف كذبها فتركها وعاد للاسلام.

وكان عمر بن الخطاب قد عفا عن المرتدين، فوفد الأحنف إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أهل البصرة، اذ الوفود تتكلم عن نفسها بما ينوب كل واحد منهم، فتكلَّم الأحنف وقال:

يا أمير المؤمنين، إنَّ مفاتيح الخير بيد الله، وقد أتتْك وفود العراق، وإنَّ إخواننا من أهل الكوفة والشام ومصر نزلوا منازلَ الأمم الخالية، والملوك الجبابرة، ومنازل كِسرى وقيصر وبني الأصفر، فهُم من المياه العذبة، والجنان المختلفة في مثل حولاء السَّلَى، وحدقة البعير، تأتيهم ثمارُهم غضَّة لم تحضر، وإنَّا أُنزِلنا أرضًا طرفٌ في فلاة، وطرفٌ في مِلح أُجاج، جانب منها منابت القصب، وجانب سبخة نشاشة، لا يجفُّ ثراها، ولا ينبت مرعاها، يخرج الرجل الضعيف منا يستعذِب الماء من فرسخين، وتخرج المرأة بمثل ذلك ترنق لولدِها ترنيقَ العنز، يُخاف عليه العدوُّ والسَّبُع، فإن لا ترفع خسيستنا، وتنعش ركيستنا، وتجبر فاقتنا، وتَزِد في عيالنا عيالاً، وفي رجالنا رجالاً، وتُصغِّر درهمنا، وتُكبِّر قفيزنا، وتأمر لنا بنهر نستعذب به الماء ؛ هلكْنا،

فقال عمر: هذا والله السيِّد

فأمر أبي موسى الأشعري أن يحفر لهم نهرًا.

ثم وفد الاحنف على عمر في المدينة المنورة فاقام فيها ثم بعد عام أمر عمرُ ابو موسى الاشعري أن يرسله مع الجيش لفتح خراسان اذ كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: «أما بعد .. فأدن الأحنف وشاوره واسمع منه”

فكان الأحنف من أفضل القادة الذين شاركوا في فتوحات فارس، وهو من أخذ الهرمزان من تستر بعد فتح الأهواز،كما لعب دورًا كبيرًا في فتح مرو الزود وخراسان آخر معاقل الفرس.

وبعد مقتل عثمان بن عفان انحازت سائر بني تميم إِلى صف عائشة رضي الله عنها عدا الأحنف اعتزل برهطه بني سعد يوم الجمل، ثم شهد صفين مع علي رضي الله عنه، وولاه علي على تميم وضبة والرباب يومها.

وحينما آلت خلافة المسلمين لـ معاوية بن ابي سفيان، قرّبه معاوية وكان له مواقف كثيرة معه، اذ كان الأحنف جريئاً مع معاوية وكان معاوية يعرف قيمته ويتحمل مواجهته وهذا من كمال سؤدد الأحنف

سُئل معاوية عن صبره على الأحنف فقال :

إنّه لرجل لو غضب لغضب معه ٧٠ ألف من بني تميم لايسألونه لما غضبت

لَمَّا عَزَم معاوية على البيعة لابنه يزيدَ، كتب إلى اخيه زياد بن ابيه أن يوجِّه إليه بوفد أهل البصرة والكوفة، فتكلَّمتِ الخطباء في يزيد، و الأحنف ساكت! فلمَّا فرغوا قال معاوية :

قل يا أبا بحر، فإنَّ العيون إليك أشرعُ منها إلى غيرك

فقام الأحنف فحَمِد الله وأثنى عليه، وصلَّى على نبيه ﷺ ثم قال:

يا أميرَ المؤمنين، إنَّك أعلمُنا بيزيد في ليله ونهاره، وإعلانه وإسراره، فإن كنتَ تعلمُه لله رِضًا فلا تشاورْ فيه أحدًا، ولا تُقِم له الخطباءَ والشعراء، وإن كنت تعلم بُعدَه من الله فلا تزودْه من الدنيا وترحل أنت إلى الآخرة، فإنَّك تصير إلى ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ﴾


أما زياد بن ابيه فقد كان يُجلّ الاحنف ويقربه، فلمَّا مات زياد و وُلي ابنه عبيدالله لم يعرف قدره، فتأخَّرت عنده منزلتُه، فلما وفد برؤساء العراق على معاوية أدخلهم عليه على مراتبهم عندَه، فكان الأحنف آخِرَ مَن أدخله عليه، فلمَّا رآه معاوية أجلَّه وأعظمه، وأدْناه وأكرمه، وأجلسه معه على العرش، ثم أقبل عليه يحادثه دونهم، ثم شَرَع الحاضرون في الثناء على ابن زياد، والأحنف ساكت، فقال له معاوية: مالك لا تتكلَّم؟

فقال مقولته الشهيرة : أخاف الله إِن كذبت وأخافكم إِن صدقت

قال معاوية : أُشهِدكم أني قد عزلتُه عن العراق

ثم قال لهم: انظروا لكم نائبًا وامهلهم ثلاثة أيام فاختلفوا بينهم ولم يذكر أحدٌ منهم بعد ذلك عبيدالله ولا طلبه أحدٌ منهم، ولم يتكلَّم الأحنف في ذلك كلمة واحدة مع أحد منهم.

فلما اجتمعوا بعدَ ثلاثٍ كثر اللغط وعلت الأصوات والأحنف ساكت

فقال له معاوية: تكلَّم!

قال الأحنف : إن كنتَ تريد أن تولِّيَ فيها أحدًا من أهل بيتك، فليس فيهم مَن هو مثل عبيدالله، فإنَّه رجل حازم لا يسدُّ أحد منهم مسدَّه، وإن كنت تريد غيرَه، فأنت أعلم بقرابتك

فردَّه معاوية إلى الولاية و قال له :

كيف جهلتَ مثل الأحنف؟ و هو الذي عزلَك وولاَّك وهو ساكت؟!

فعظُمت منزلة الأحنف بعد ذلك عند عبيدالله ابن زياد.

Join