التوبة .. وظيفة العمر

“وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ”

سورة التوبة الاية ١٠٢

يقول سمرة بن جندب قال ﷺ : “ آتاني الليلة آتيان،ملكان، فابتعثاني، فانطلقنا إلى مدينةٍ لبنةٍ ذهب ولبنةٍ فضة وإذا بأقوامٍ شطرٌ منهم كأحسنِ ما أنتَ رائي، وشطرٌ كأقبح ما أنت رائي، فقال لهم الملكان: اذهبوا لذلك النهر فقعوا فيه،فذهبوا وقعوا فيه فرجعوا إلينا كأحسن صورة قد ذهب السوء الذي كان فيهم، ثم قال الملكان للنبي ﷺ :

هذه جنة عدن وذاك مكانك في الجنة و أما اولئك الذين كان فيهم شطرٌ قبيح وشطرٌ حسن فهؤلاء اقوام خلطوا عمل صالح واخر سيئاً فتجاوز الله عنهم.

اغلبنا يندرج تحت هذه الاية “عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ” وهذا لايعني أن يأتي الانسان الفواحش عمداً عالماً بحرمة وشناعة جُرم ما يقدم عليه من كبائر وذنوب ثم يذهب يصلي ركعتين جماعة أو يشهد حلقة في مسجد ثم يقول : أنا ممن قال الله فيهم ويتلو الآية.. لا

ليس كذلك.. فالله صدّر الاية بجملة هامة :

“وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ”

فحتى تكون ضمن هؤلاء عليك الاعتراف بما فعلت امام الله وهذه هي التوبة المقصودة وهذه هي الطريقة التي يُرجى بها مغفرة الله لعظيم ما اقترفه العبد من ذنوب

وعسى من الله واجبة الله يقول وينادي دائماً عباده المؤمنين وليس المسلمين، بل المؤمنين الذين تعمّق ايمانهم فظنّ الناس انهم لا يذنبون بأن قال سبحانه :


”وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ“


فلا فلاح يُنال دون توبة ولا توبة تُقبل دون اعتراف امام الله في لحظة سجود بينك وبينه تصف فيه ما تم فعله من فاحشة او كبيرة او ذنب وصفاً دقيقاً كما اقدمت عليه، وتذكر لِما اقدمت عليه وماذا جنيت بعده سوى الندم والمهونة والانغماس في الهلاك المبين

وإن كنتَ لاتزال تذكر جرمك فهذا يعني أنَّ معاناتك في الحياة هي نتيجة افعالك غير الصالحة ولن يطيب عيشك دون توبة،فكونك تبادر بالتوبة يعني أنك ترجو من الله المغفرة والعفو تماماً عما اقدمت عليه من اعمال ، وإنْ قَِبلَ توبتك وعفا عنك ؛ انساك جرمك وذنوبك التي اقترفت وكأنّ شيئاً لم يكن بل و ابدلك بحياة طيبة وغيّر حالك لافضل حال.

إنَّ أي احد كما لديه ذنوب لديه ايضا اعمال صالحة، لكن بعض الخطّائين يظنون أن اعمالهم الصالحة تنجيهم رغم استمرارهم في الذنوب متناسين أنها نَعَم تنجيهم لكن اذا ترك ذنوبه تماماً بالتوبة الصادقة وعقد نية طيبة في كل عمل صالح و ابتعد تماماً عن اتيان الفواحش وكل سبيل يؤدي إليها وهذا لا يقدر عليها إلا قوي

الحجاج بن يوسف الثقفي رحمة الله احيا الله ذكره إلى يومنا هذا ، فشُغل الناس به هل سيدخل جنة أو نار ، وهو على جبروته وسلطانه وقوته لشد قبضة الحكم لم يأتي خمور ولم يتلطخ باعراض و فروج وهذه اعظم مناقب الرجال الأقوياء الذين استطاعوا ترويض نفوسهم فلم تغلبهم شقوتهم وعاشوا الحياة فعاش الناس داخل حياتهم طول العمر يستحضرونهم كمثال على الصلابة وقوة الجَلَد في تهذيب النفس وتورّعها عما لايليق بها

يقول الامام ابن حزم رحمه الله :

ما من ذنب عند الله بعد الشرك اعظم من اثنين:

تعمد ترك صلاة فريضة حتى يخرج وقتها

و تعمد قتل نفس مؤمنة بغير وجه حق


وابن علان احد فقهاء الشافعية يقول :

مَن رجع من الذنب خوفاً من الله فهو تائب

ومَن رجع من الذنب حياءاً من الله فهو منيب

ومَن رجع من الذنب تعظيماً لله فهو آواب


ولا يعلم أكان تائباً ام أواباً ام منيباً لكن خوفه من الله مكّنه في الارض

لذلك، لا احد سالمٌ من المعاصي والاخطاء، لكن خير الخطّائين التوابون

والانسان بالصبرومجاهدة النفس والاستمرار في التوبة يتجاوز ما ابتلاه الله به

،وبالاستغفار يتجاوز سبب الابتلاء، وكم من ابتلاء حطّم قلوب لكنه انار بصيرة

المهم مهما حصل منك من تفريط في سالف الدهر و آنه ؛ لا تتوقف عن التوبة ووطّد صلتك بالله فلا تنقطع عن الصلاة ولا تتأخر عنها ولا تتوقف عن الاستغفار والتسبيح وحضور الجُمع وصلاة الفروض في المسجد والاختلاط بمن فيه؛ علّها تصيبك نفحة من اثر دعواتهم وطاقة ايمانهم وتشملك بركات المسجد وتحفّك الملائكة ، وحجٌ مبرور يَجُبّ ما قبله وبذلك تكون على الطريق المستقيم من جديد ، فالتوبة وظيفة العمر وعسى من الله واجبة

لما جاء عمرو بن العاص ليبايع الرسول ﷺ ؛ بسط الرسول يده لعمرو فبسط عمروٌ يده ثم قبضها !

خوفاً من أن يُكتب عليه ما قد مضى

فسأله الرسول لما قبض يده فاخبره عمرو

فقال له ﷺ :

يا عمرو.. آما عَِلمتَ أن الاسلام يَجُبّ ما قبله و الهجرة تَجُبّ ما قبلها والحج المبرور يَجُبّ ما قبله

Join