تأثير الثقافة على تصميم التجربة
الأنترنت جعل العالم مكانًا أصغر مما نتخيله، وكسب المال أو اكتساب عملاء خارج النطاق الجغرافي الخاص بالشركة في استخدام المنتج أو خدمة رقمية أصبحت عملية سهلة. وهناك نقاشات على أن الثقافة أصبحت أقل أهمية في العولمة الحالية، ولكن رغم ذلك مازال هناك اختلافات بأمور كثيرة في ثقافات الدول وأبسطها اختلاف ثقافة مشاركة بطاقة العمل بين دول الشرق مثل اليابان ودول الغرب.
وفي كتاب واجهات المستخدم الدولية يذكر الكاتبان السا قالدن وجايكوب نيلسون:
" لم يعد يكفي تقديم منتج مترجم من عشرة إلى عشرين لغة مختلفة. يريد المستخدمون منتج يعترف بخصائصهم الثقافية الفريدة وممارساتهم التجارية
فمثلًا شركة أمازون عندما أرادت أن تتوسع في الصين بشكل أكبر وتحقق المبيعات، قامت بعمل أبحاث عدة وكانت إحدى نتائجها أن 70% من المشترين يفضلون الدفع عند استلام الشحنات. ولتسهيل عملية الدفع عند الصينين، وفرت أمازون خاصية ليست متوفرة لجميع الدول وهي نقاط بيع محمولة حتى يتمكن العملاء من الدفع لموظف التوصيل عبر بطاقتهم الائتمانية عند عتبة بابهم.
ومثال أخر كانت شركة فيسبوك تواجه مشكلة في التوسع في اليابان. وتبين أن المستخدمين اليابانيين لا يقومون بدعوة العائلة والأصدقاء للمنصة وهي الميزة الأساسية التي تقوم عليها فيسبوك. وبناء على هذه المشكلة قامت الشركة بالعمل على أبحاث عن كيفية جعل منصة فيسبوك منصة أكثر استخدامًا في اليابان، واظهرت نتائج الأبحاث أسباب عدة منها:
في الثقافة اليابانية يعتبر رفض طلب الصداقة صعبًا جدًا ويعتبر تصرفًا فض.
تعتبر الدعايات بدون إذن المستخدم انتهاكًا للخصوصية.
ورغم أن اليابانيين الذين تتراوح أعمارهم بين ١٨ – ٤٩ لديهم إمكانية الوصول للأنترنت والتواصل مع الأصدقاء بمختلف المكان الجغرافي، إلا انهم يفضلون التواصل وجهًا لوجه لأن المحادثات عبر الانترنت عرضة للفهم الخاطئ.
فإذا كانت هناك خطة للتوسع عالميًا فيجب على المنظمة فهم كل سوق للتعرف على الثقافة والأنظمة واحترامها، ويجب على المنتجات الرقمية أن تعكس الثقافة الخاصة بمستخدميها لتحقيق النجاح فيه.
فالثقافة هي سلوك يشمل المعتقدات العرفية والتقاليد والأعراف والعادات الاجتماعية وقيم مجموعة من الناس.
تعكس الثقافة الطريقة المتوقعة أو الصحيحة للتفكير والتصرف، وتحدد ما هو مقبول ومهم. فالاختلافات الثقافية في بعض الأحيان تشكل تحديًا أكثر من كونها فرص من الطريقة التي يتعامل فيها الناس مع بعضهم البعض، وتعاملهم مع الإنترنت، وثقتهم في التجارة الإلكترونية، واعتمادهم على استخدام التقنية.
ولذلك قبل تصميم المنتجات من الجيد فهم المستخدمين بشكل أفضل وعمل أبحاث شاملة للثقافة قبل البدء في تطوير المنتج، لأنه كلما زادت معرفتك ومعلوماتك بالعملاء المستهدفين، زادت قدرة المنظمة على إدراك ماهي توقعات العملاء وكيفية تفاعلهم مع المنتج.
عند إطلاق امازون في الهند في أواخر عام ٢٠١٨، واجهت الشركة تحديات كثيرة بحكم عدم فهمهم الواضح للثقافة الهندية. ولم يتمكنوا من معرفة سبب عدم استخدام خاصية البحث والذي يعتبر من أهم العوامل الرئيسية للأرباح للشركة. وبعد دراسة الثقافة والبحث فيها اتضح بأن ايقونة العدسة المكبرة ليست مرتبطة في الهند بالبحث، بل كان يعتقد المستخدمون بأنها مضرب تنس ولذلك لم يكن لها معنى منطقي بالنسبة للمستخدمين.
وكحل لهذا التحدي احتفظت امازون بأيقونة البحث، ولكن اضافة نص في خانة البحث باللغة الهندية لكي يدرك المستخدم بأن هذا هو المكان المخصص للبحث.
تصميم المنتجات وتسويقها عبر القارات سبق بكثير تصميم المنتجات الرقمية، وهناك أبحاث فردية من عدة علماء متخصصين، ومن أبرزهم العالم غيرت هوفست وهو عالم نفسي اجتماعي هولندي.والذي تم استخدام أبحاثه على نطاق واسع في مجال تجربة المستخدم وكيفية تأثير الثقافة فيه.
وحدد هوفست ستة جوانب من الاختلافات الثقافية في نظرية الأبعاد الثقافية. وسأذكرها بشكل مختصر في هذا المقال وهي:
قوة المسافة
وهي الدرجة التي يقبل المجتمع فيها بترتيب التسلسل الهرمي. والسؤال المهم في هذا البعد هو " كيف يتعامل المجتمع مع عدم المساواة بين الأفراد؟" وتعني قوة المسافة العالية أن الناس داخل المجتمع تقبلوا نظامًا هرميًا معينًا والتفاوت الذي يأتي معه، بينما قوة المسافة المنخفضة أن الناس يحاولون باستمرار المساواة في توزيع السلطة، خاصة أولئك الذين لديهم سلطة أقل.
ولذلك في المجتمعات الذي يملك أفرادها سلطة أقل يفضل أن يصمم الموقع بطريقة تعطيهم خيارات أفضل مثلًا كتابة محتوى واضح وتفصيلي.
الفردية والجماعية
يصنف الجانب الثاني مقدار تركيز الأشخاص في المجموعة على أنفسهم وعلى المجموعة ككل. وينعكس موقف المجتمع من هذا البعد فيما إذا كان الناس يشيرون إلى أنفسهم على أنهم "أنا" أو "نحن".
فمثلًا في المجتمعات الاجتماعية يفضل المستخدمون خيارات أكثر لمشاركة المعلومات والأحداث مع العائلة والأصدقاء.
الرجولة/الأنوثة
المجتمع الذكوري هو المكان الذي توجد فيه درجة عالية من الذكور. هذا يفضل الإنجازات والحزم. من ناحية أخرى، يفضل المجتمع النسائي التعاون ونوعية الحياة.
والسؤال المهم في هذا الجانب " ما هي الدوافع والقيم الأساسية للمجتمع؟" ومراعاه الجوانب التصميمة للمجتمعات المختلفة بين الذكورية والأنثوية.
تجنب عدم اليقين
الدرجة التي يشعر فيها أفراد المجتمع بالراحة أو عدم الارتياح تجاه الشعور بعدم اليقين والغموض. والفكرة الرئيسية وراء ذلك هي كيف يتعامل الناس مع حقيقة أنهم لا يستطيعون التحكم في المستقبل.
ففي المجتمعات التي تتميز بعدم اليقين يفضل أن تقدم لهم معلومات وفيرة وتفاصيل عن الخدمة والمنتج لتلبي رغباتهم المعرفية بشكل أكبر وتسهل عليهم اتخاذ القرار.
التوجه طويل المدى
المجتمعات ذات التوجه طويل الأمد لديها شعور بالتشجيع للمستقبل. الثقافات المختلفة ذات التوجه المنخفض في كثير من الأحيان تقدر النتائج السريعة وتفضل قياس الأداء على أساس قصير المدى.
فعند التصميم للمجتمعات التي لا تنظر للمدى الطويل يفضل أن تكون الخدمة سريعة في اتخاذ القرار حيالها ويكون لديهم الخيار في سلك طرق مختصرة والحصول على الخدمة بشكل سريع.
التساهل مقابل القيود
يصف الجانب الأخير الدرجة التي يتمتع بها المجتمع بالحياة ويميل إلى الاستمتاع بمزيد من المرح مقابل قمع إشباع الاحتياجات.
ففي المجتمعات الأكثر تساهلًا وتسامحًا يفضلون الحصول على خيارات عديدة للمنتج وطريقة استخدامه.
وفي الختام، يجب علينا دائمًا أن نحرص على فهم الثقافة قبل البدء بالتوسع التجاري للمنتج، لأن الثقافة ستأثر على الخدمات وكيفية تقديمها، وأنه لا تستطيع إعادة تقديم منتج نجح في منطقة إلى منطقة أخرى، بل أنها قد تكون فرصة لشركات جديدة بفهم أفضل للثقافة مثل ما قامت شركة كريم بإعادة تقديم فكرة اوبر ولكن بثقافة خليجية كبداية.