مالذي يمكن قوله ؟
وجدان الصعيدي
ما الذي يمكن قوله بعد كل ما قد قيل؟
أجزم أن هذا السؤال يخطر في بداية كل عمل يتطلب منتج أدبي! . كيف لم يتوقف الإنتاج الإنساني إلى حد ما؟
صحيح أن بعض المجالات مُتجددة مما تساعد المُنتج على خلق بعض الأفكار الجديدة أو ما شابه. لكن ماذا عن غيرها من المجالات التي ناقشها الإنسان منذ طليعة الزمان؟
من قصائد المتنبي إلى سوناتات شكسبير، من حكاية حي بن يقظانإلى مغامرة (ماوكلي).
عندما يتحدث ابن حزم عن النساء في رسالة طوق الحمامة نجد تلك الأفكار نفسها في الناقوس الزجاجي لـ(سيلفيا بلاث).
وحين يخبرنا ابن سينا أن: "الوقت ينسي الألم و يطفئ الانتقام ، بلسم الغضب و يخنق الكراهية ، فيصبح الماضي كأن لم يكن "يتفق (إلتون جون) كذلك بطريقته الخاصة، ويترجم ذلك في جُل أغانيه وقصائده. الوقت كفيل بعلاج الجراح..
"Time Heals All Wounds"
زمن مختلف وأفكار متقاربة إلى حد عجيب!
يبقى السؤال الأدق: هل الإنتاج الإنساني يُعيد نفسه؟
بعيدًا عن السرقة الأدبية والإلهام الصريح، تبقى أفكار الإنسان هي نفسها على اختلاف الزمن.
في دراسة بحثية حول أكثر المواضيع التي (يُتحدث ) فيها. جاءت النتائج كالتالي:
العلاقات
العائلة
السياسة
القصص والحكايات
الحديث عن المستقبل
العمل
والحديث هو شكل من أشكال التعبير. لكن يبقى الأهم أن هذه الموضوعات تشغل تفكيرنا وستجد طريقها حتمًا إلى الأدب والشعر والأغاني، والحكايات واللوحات باختلاف مدارسها.
تتشارك هذه المواضيع في أن أحد شقيها هو الخوف! حتى ولو كان الشق الآخر لها هو البهجة...
يعيد الإنسان طرح أسئلته ومخاوفه بلا شك من خلال كل أشكال التعبير. لكن مخاوفنا تطورت مع الوقت، فربما لو وجد الإنسان البدائي طريقة للتعبير الملموس، لأغرقنا بالقصائد عن البقاء والنجاة في الطبيعة البربرية. لذا لا عجب إذا كان الحب والعلاقات يشكلان الموضوع الأهم تاريخيًا فخوف الإنسان من الوحدة و الخروج عن الجماعة لا يستهان فيه.
اختلاف بحكم الزمن تشابه بحكم الظروف
في بقعة أخرى نرى التشابه. ظاهرًا في ذروته إذا تشابهت الظروف..ن
كُتاب عاشوا خلف القضبان: مليكة أوفقير ومصطفى خليفة وأحمد المرزوقي و هبة الدباغ. يخبروننا عن سوء السجان وظلمه وبطشه، في مذكراتهم يحكون عن نفس الألم و المعاناة، لكن القصص غير القصص ، كل منهم له تجربته الفريدة المرة.
" نعم، كانت معنوياتنا قد نزلت إلى الحضيض، وكانت أغلى أمنياتنا هي أن نموت موتة فجائية تقينا أهوال الاحتضار الطويل البطيء الذي كان يتقلب فيه السجين" من رواية تزممارت .
لابد أن الجميع تشارك فكرة " الموت رحمة " آنذاك ..
سيمون دي بوفوار و لويزا ماي و سفيتلانا أليكسييفيتش وناهيد رشلان والكثير غيرهن، تخبرننا هؤلاء الكتابات في مذكراتهن عن عوالمهن المختلفة ومعاناتهن المشتركة لكونهن نسوة فقط، نقرأ في ملاحظاتهن كيف يساء للمرأة بشكل مبدع ومختلف في كل زمن !
" هذا العالم لا يتوانى عن جعلك أضعف" تخبر جو أختها بيث في رواية نساء صغيرات.
أما في فترات الحروب والتخبطات السياسية نجد التاريخ القاسي الدامي الذي يتم تدوينه من قبل الأبرياء أو المتورطين أحيانًا . نقرأ الإنتاج المكلل بالخوف والترقب ومحاولات التشبث بالحياة لدى كل منهم، من محرقة هتلر إلى المجزرة السورية الحالية . على رغم اختلاف نوع المشكلة السياسية، إلا أن ما تجمعهم هي مشاعرهم وقتها بالمقام الأول.
"انتهت الحرب في مثل هذا اليوم ، رقص الملايين من الناس في شتى بقاع الوطـن، وغنوا وأنشدوا إلا الذين تذوقوا طعمَ الحرب ، أولئـك ظلوا صـامتـين " ميخائيل نعيمة
لطالما كانت الحكاية هي حكاية الإنسان في مواجهة الخوف. أخيرًا: هل الإنتاج الإنساني يُعيد نفسه؟
الجواب :لا ، لكن الإنسان هو الإنسان.