قرار إلقاء يوسف في البئر
أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ
سورة يوسف ١٢
نعم يلعبون وإن كانوا ابناء نبي! وليس المفترض منهم أو من غيرهم من ابناء الصالحين أو الذين في اباءهم زعامة أو إمامة باختصاص ديني أو دنيوي أن يُحمَلوا منذ الطفولة على مالا تقبله نفوسهم وقلوبهم وابدانهم، وهذا ما يقع فيه كثيرون ممن يظنون أنهم بذلك (يربون ابناءهم) بعسفهم على الاستقامة الشديدة منذ البداية والزهد ومجافاة الحياة، هؤلاء سيكون مفروضاً عليهم الآن مرفوضاً منهم لاحقاً وواقعنا مليء بالشواهد، إذ أنَّ هنالك من إذا استقام أو اُعطيّ علماً أو أُوتي إمامة تشدد وشدد على ابناءه لانه باعتقادي يعيش في حالة جهاد مع نفسه و بغير وعي منه يجبر من حوله عيش هذا الجهاد النفسي ليقوى على نفسه ، أو أنه قد كان لاعباً متمتّعاً لاهياً فيما مضى وحينما كَبُر شَعُر بتأنيب الضمير فيتشدد على ابناءه ارضاءاً لضميره أو يعتقد بذلك أنه سيختصر عليهم طريق الصح والخطأ الذي مرّ فيه بالتربية الشديدة، أو أنه شخص درويش عليه سمت الصلاح ولايفقه كثيراً في امور التربية يتشدد على ابناءه من باب خوفه عليهم ممن حولهم أو يخشى أن يتحدث فيهم الناس بأنهم ليسوا صالحين مثل والديهم بحسب تفكيره!
وهذه ليست دعوة لترك الحبل على الغارب أو دعوة لنبذ الصلاح والاستقامة ، لا !
إنما دعوة لتمييز الخطاب مع الابناء واستيعاب كل مرحلة لهم وفهم احتياج كل واحدٍ منهم، فمخاطبة الصبي تختلف عن مخاطبة المراهق و مخاطبة المراهق تختلف عن مخاطبة الشاب ومخاطبة الشاب تختلف عن مخاطبة الشائب، وهذا يُلمس حتى في التوجيه النبوي لأي امر ففي الصحيحين ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم:
اُشيمط زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر.
الاشيمط هو الذي بلغ من الكبر عتيا ومع ذلك يجنح للشهوة بالحرام وهذا مخاطبته وعتابه ليس مثل مخاطبة وعتاب الشاب وإن كان الزنا في كلا الحالتين من كبائر الذنوب التي قرنها الله مع الشرك وقتل النفس :
وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ٦٨
يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ٦٩
إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ٧٠
سورة الفرقان
إنَّ التدرج في كل شيئ بما فيه الخطاب التربوي سنة الله في كونه وإلا سيسأم النشأ لا محالة ويفرون من الدين بالكلية، لكن إن وُجدت في الشاب همة لامرٍ ما فحسنٌ أن يعان عليها مبكراً والتركيز على ذلك فلا يتشتت الشاب أو يحصل له فراغ مستمر يبعثه إلى التشتت وفتور الهمة، فهذا يحيى بن يحيى بن كثير فقيه الاندلس سمع المؤطا من مالك فلازمه واخذه منه واصبح شيخ المالكية في الاندلس في زمانه، لما قدم إلى المدينة المنورة يطلب العلم من مالك رحمه الله قالوا إنَّ فيلاً جيء به إلى المدينة!
والعرب يسمعون بالفيل لكن لم يروا فيلاً قط ، فهو حيوان غير معروف أو مألوف في الجزيرة العربية فتراكض الناس يخرجون من درس مالك في المسجد النبوي ليروا الفيل ولم يبقى إلا يحيى بن يحيى فتعجب مالك منه وقال له :
مالك لا تذهب مع الناس وترى الفيل؟!
قال يحيى بن يحيى :
إنني لم اقدُم من بلادي حتى ارى الفيل! إنما قدمت من بلادي لأطلب العلم على يديك
ف اجلّه مالك وخصّه بما لم يخص غيره من الطلبة، والمقصود أنَّ الهمم العالية يُثنى عليها وتُوجّه وتُشجّع.
والسؤال الآن : كيف وصل الأخوة لقرار إلقاء يوسف في البئر؟
يعقوب عليه السلام قَبِل على مضض أن يذهب يوسف مع اخوته ، فذهبوا وقد تآمر الابناء أن يرموا اخيهم في غيابت الجب، فأُلقيّ يوسف في البئر من قبل اخوته العشرة ، لكن ليس معقول أنَّ هؤلاء العشرة الذين تربطهم مع شاب اصغرهم سناً وشائج الرحم ولم ترف لهم عين أو يلين قلب احدٍ منهم فيثنيهم عما هم مقبلون عليه!
الاكيد أن يوسف استعطفهم واستدر الرحمة من قلوبهم حينما شعر بأنهم سيلقونه لكن لم يستجب له احد ويدل أن القسوة والغيرة لديهم قد بلغت مبلغاً عظيما.
لكن الله لايترك عباده بل يرحمهم ويثبتهم حتى في أحلك الظروف ويرسل لهم إشارات الفرج وهذا ما حصل مع يوسف، بمجرد أن أُلقىَّ في البئر اوحى الله إليه أنه سينجو ليطمئن وتسكن نفسه عن الرَوع
فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
سورة يوسف ١٥
يذكر أهل التأويل في تفسيرهم أنَّ يوسف كان عمره مابين ١٢-١٨ سنة وكان يعقوب يحب يوسف لسرٍ تطرقنا إليه فيما مضى في رمضانيات سابقة
وتذكر الاسرائيليات انه حينما اخذ منهم العهد بأمانه ؛ سلّم يعقوب يوسف للابن الأكبر روبيل وقال له :
يا روبيل .. إنه صغير وتعلم يا بني شفقتي عليه ; فإن جاع فأطعمه وإن عطش فاسقه وإن أعيا فاحمله ثم عجل برده إليَّ.
فآخذوا يحملونه على أكتافهم ، لا يضعه واحد إلا رفعه آخر امام عين والدهم حتى تواروا عن الانظار وانتهوا إلى البريّة ; فلما انقطع بصر أبيهم عنهم رماه الذي كان يحمله إلى الأرض حتى كاد ينكسر فالتجأ إلى آخر فوجد عند كل واحد منهم أشد مما عند الآخر من الحقد والغيظ والعسف وكان يقول :
يا أبتاه لو تعلم ما يصنع بابنك بنو الإماء
فاستغاث بروبيل وقال:
أنت أكبر إخوتي والخليفة من بعد والدي علي وأقرب الإخوة إليَّ فارحمني وارحم ضعفي
فلطمه لطمة شديدة وقال :
لا قرابة بيني وبينك ! و ادع الشمس والقمر والكواكب تنجيك منا
وتعلق بأخيه يهوذا وقال :
يا أخي ارحم ضعفي وعجزي وحداثة سني ، وارحم قلب أبيك يعقوب ; فما أسرع ما تناسيتم وصيته ونقضتم عهده
رقّ قلب يهوذا وقال :
يا إخوتاه إن قتل النفس من أعظم الخطايا فردوا الصبي إلى أبيه ونعاهده ألا يحدّث والده بشيء مما جرى أبدا
فقال له إخوته :
والله ما تريد إلا أن تكون لك المكانة عند يعقوب! والله لئن لم تدعه لنقتلنك معه
قال يهوذا :
فإن أبيتم إلا ذلك فهاهنا هذا الجب ألقوه فيه ، فإن أصيب بشيء فهو المراد وقد استرحتم من دمه ، وإن أفلت على أيدي سيارة يذهبون به إلى أرض فهو المراد ايضاً
فأجمع رأيهم على ذلك وكان البئر مابين ارض مدين ومصر وقيل أنه بئر البيت المقدس،فجعلوا يدلونه في البئر وهو متعلق بشفير البئر ،فربطوا يديه ونزعوا قميصه فقال يوسف :
يا إخوتاه ، ردوا عليَّ القميص أتوارى به في الجب فإن مت كان كفني وإن عشت أواري به عورتي
فقالوا : ادع الشمس والقمر والكواكب تكسيك وتؤنسك
فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها قام شمعون وقطع الحبل ليسقط بقوة فيتفتت على صخرة في قاع البئر ويموت
فلما ألقوه فيها بدأ يوسف بالبكاء فنادوه مراراً حتى يتأكدوا من انقطاع صوته ومن ثم موته فظن يوسف أنها رحمة منهم أدركتهم فلبَّاهم فغضبوا فارادوا أن يرشقوه بالصخر حتى يموت فمنعهم يهوذا وقال:
قد أعطيتموني موثقًا أن لا تقتلوه!
وكان جبريل عليه السلام تحت ساق العرش فأوحى الله إليه أن أدرك عبدي فلما وقع عرياناً نزل إليه جبريل وألبسه قميص ابراهيم; وكان إبراهيم عليه السلام حينما أُلقي في النار عريانا أتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فكان ذلك القميص عند إبراهيم ثم ورثه إسحاق ثم ورثه يعقوب فلما شبّ يوسف جعل يعقوب ذلك القميص في تعويذة وجعله في عنقه فكان لا يفارقه.
وكان اخيه يهوذا يأتي له بالطعام فلما قام يوسف على الصخرة قال :
يا إخوتاه إن لكل ميت وصية فاسمعوا وصيتي، إذا اجتمعتم كلكم فاذكروا وحشتي وإذا أكلتم فاذكروا جوعي وإذا شربتم فاذكروا عطشي وإذا رأيتم غريبا فاذكروا غربتي وإذا رأيتم شابا فاذكروا شبابي
فقال له جبريل : يا يوسف كف عن هذا واشتغل بالدعاء ، فإنَّ الدعاء عند الله بمكان ; ألا أعلمك كلمات إذا قلتهنَّ عجل الله خروجك من هذا الجب ؟ قل :
يا صانع كل مصنوع ويا جابر كل كسير ويا شاهد كل نجوى ويا حاضر كل ملأ ويا مفرج كل كربة ويا صاحب كل غريب ويا مؤنس كل وحيد اتيني بالفرج واقذف رجاءك في قلبي حتى لا أرجو أحدا سواك إنك على كل شيء قدير