سورة غافر الآيات(١-٣)
مسيلمة الكذّاب اسمه مسيلمة بن حبيب بن حنيفة .
وُلد ونشأ في اليمامة وكان صاحب مَخرَقة وسحر ورُقَى فـ غّر قومه
ولما كانت سنة ٩ ودخل الناس في دين الله افواجاً والوفود تأتي للرسول؛
وَفَدَ بنو حنيفة للمدينة عند الرسول ليعلنوا اسلامهم وكان معهم مسيلمة
وكان يقول : إنْ جعل محمد الامر من بعده لي ؛ اتّبعته !
وكان مع الرسول ﷺ قطعة من جريد فقال :
>لو سألتني مثل هذه ما اعطيتك اياها، ولن تعدو امر الله فيك ، و إن ادبرتَ ليعقرنّك الله ولا أراك إلا الذي أُوريتُ فيكَ ما رأيت.<
وكان النبي ﷺ قد رأى في منامه أن في يديه سوارين من ذهب و أهمّه أمرهما فأُوحي إليه في المنام بأنْ ينفخهما فـنفخهما فـطارا .
فلما أستيقظ الرسول فسرهما على أنهما كذابَين يأتيان من بعده فكانا العنسي ومسيلمة.
حينما رجع بنو حنيفة لليمامة ادّعى مسيلمة النبوة وشهد له رجل بأنه سَمِعَ الرسول يقول أنّ الله قد اشرك مسيلمة مع الرسول في النبوة!
وإكمالاً لهذه التمثيلية ؛ كَتَبَ مسيلمة كتاباً للرسول ﷺ يقول فيه :
من مسيلمة ابن حبيب إلى محمد رسول الله
أما بعد : فإنَّ لقريشٍ نصف الأرض ولنا نصفها ، ولكنَّ قريشاً قوماً يعتدون.
وبعث برسالته هذه مع رجلين من قومه إلى رسول الله ﷺ
فلما جاءا الرجلين عند محمد ﷺ سألهما عن قولهما فيما يحصل فقالا :
نشهد بأنَّك رسول الله ! وأنَّ مسيلمة لا ينكر ذلك ! ولكنه يقول أنه اُشرِكَ معك في الأمر واُحدِثَت له نبوة مع نبوتك !
فقال الرسول ﷺ : لولا أنكما رسولان لقتلتكما .
ثم دعى علي رضي الله عنه فأمره أن يكتب :
من محمد رسول الله ﷺ إلى مسيلمة الكذاب /
السلام على من أتّبع الهدى
أما بعد :
فإنَّ الأرض لله يُورثُها من يشاء من عباده والعاقبةُ للمتقين.
فبعث ﷺ برسالته هذه مع رجلٌ من الانصار اسمه حبيب بن زيد المازني فلما وصل عند مسيلمة سأله مسيلمة : أ تشهد أن محمد رسول الله ؟
فقال حبيب : نعم!
فقال مسيلمة : أتشهدُ أنّي رسول الله ؟
فقال حبيب : إني أصمٌ لا اسمع
فكرر عليه مسيلمة السؤال مراراً وكرر عليه الانصاري الجواب ذاته
فقتله وقطّعه عضواً عضوا ومات شهيداً.
وقد كان ﷺ قد بعث عمرو بن العاص إلى البحرين، وحتى يصلها لابد له أن يمر باليمامة لكونها ممر اساسي لابد من قطعه ولكونها همزة وصل بين الامصار والاقطار.
وبينما هو كذلك اذ لقيّ مسيلمة فاستأمنه فأمّنه فقال مسيلمة لعمرو :
إنَّ محمد اُرسل في الجليل من الأمور و اُرسلتُ في المُحَقَرَات
فقال عمرو بن العاص : أعرض عليّ بعض ما تقول
فلما عرض عليه قال عمرو بن العاص : والله إنك لتعلم أنكَ من الكاذبين.
وتوعّده.
كما كان يزعم أن جبريل عليه السلام يوحي إليه بالقرآن كما يأتي رسول الله !
فأنشأ لنفسه اسجاعاً ركيكة سخيفة ليقول أنها قرآن اُنزِل إليه ! من ذلك قوله :
يا ضفدع بنت ضفدعين
نِقّي كم تنقّين
لا الماء تُعكّرين ولا الشارب تمنعين
رأسك في الماء وذنبك في الطين
ايضاً يقول :
الفيل
وما ادراك ما الفيل
له خرطومٌ طويل
إنَّ ذلك من خلق ربنا لقليل
يقول احدهم معقّباً : ما أحمق مسيلمة ! يريد أن يسلُك سبيلَ القرآن في الكلام باستخدام هذا الاسلوب(القارعة ما القارعة وما ادراك ما القارعة…الآيات) ، (وما ادراك ما يوم الدين) فما اجهله بلغة قومه!
(ما ادراك) في نظم القرآن تأتي في الشيء الذي لا تراه الحواس وفوق إدراكها ، أما الفيل فإنَّ الناس يرونه بأم اعينهم !
كذلك من جملة ما كان يقول :
والزارعات زرعاً والحاصدات حصداً والطاحنات طحناً فالثاردات ثرداً فاللاقمات لقماً
قال احدهم ساخراً منه : قرآن رسول الله ﷺ اُنزل على قلبه وقرآن مسيلمة اُنزل على بطنه
يقول ابو بكر الباقلاني :
> وأما كلام مسيلمة الكذاب وماكان يزعم أنه قرآن لا ننظر إليه لسخافته ولا نشتغل به لركاكته ، وإنما أوردنا طرفاً منه ليعلم الناظر ويتبصر المستبصر بأنه على ركاكته قد أزل وعلى سخافته قد أضل وميدان الجهل واسع. <
تَبِعَ مسيلمةقومٌ من بنو حنيفة إلا بعضاً منهم كـ ثمامة بن أوثال ملك اليمامة و سيد بنو حنيفة وأحد كبار اشراف بكر بن وائل وله قصة اسلام عجيبة
حيث أنه كان خارجاً من اليمامة قاصداً العمرة على دين قومه فيذبح للاصنام ويطوف بالبيت ، فلقيته سرية عسكرية قد بعثها الرسول لتستطلع الامور بعد غزوة الاحزاب فدار بينهم سجالاً وأسروه ولم يعلموا أنه سيد اليمامة ، فلما وصلوا المدينة وربطوه بسارية في سواري المسجد ؛ خرج الرسول وقال لهم :
أَتَدْرُونَ مَنْ أَخَذْتُمْ ؟
هَذَا ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ الْحَنَفِيّ،
أحْسِنُوا إسَارَهُ
رجع الرسول إلى أهله، فقال لهم :
(اجْمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَكُمْ مِنْ طَعَامٍ فَابْعَثُوا بِهِ إلَيْهِ)
وقد أمر النبي بِلِقْحَتِهِ – أي ناقته - ليشرب ثمامة من حليبها.
ولازال الرسول يتودد إليه ويتردد عليه في معرض ماكان يدخل ويخرج إليه في المسجد، حتى جاءه الرسول فقال لهﷺ : ما عندك يا ثمامة؟
فقال ثمامة : عندي خير يا محمد، إن تقتل تقتل ذا دم ، وإن تُنعِم تُنعِم على شاكر، وإن كنت تريد المال، فسل تُعطَ منه ما شئت.
فتركه رسول الله ﷺحتى كان بعد الغد فقال: ما عندك يا ثمامة؟
قال ثمامة : ما قلت لك ، إن تقتل تقتل ذا دم ، وإن تُنعِم تُنعِم على شاكر، وإن كنت تريد المال، فسل تُعطَ منه ما شئت
فتركه رسول الله ﷺحتى كان من الغد وبعد الغد فكرر كلٌ منهما مقاله
فقال رسول الله ﷺ: أطلقوا ثمامة
فانطلق ثمامة إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم عاد للمسجد معلناً اسلامه لمحمد ﷺ
فقال ثمامة : أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إليّ من دينك، فأصبح دينك أحب الدين كله إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي، وإني كنتُ خرجتُ معتمرًا وأنا على دين قومي فأسرني أصحابك في عمرتي، فسيرني صلى الله عليك في عمرتي.
فسيره رسول الله في عمرته وعلّمه فخرج معتمرًا وكان اول معتمر في الاسلام.
فلما قدم مكة، وقف يجلجل بصوته العالي قائلاً :
لبيك اللهم لبيك،
لبيك لا شريك لك لبيك،
إنَّ الحمـدَ والنعمةَ لك والملك لا شريك لك
سمعتْ قريش صوت التلبية وهبَّ الجميع مستلّين سيوفهم مِن أغمادها موجّهينها نحو الصوت، لتبطش بهذا الذي اقتحم عرينها. فلما أقبل القوم على ثمامة رفع صوته بالتلبية و همَّ فتىً من فتيان قريش أن يرديه بسهم فأخذوا على يديه وقالوا: ويحك أتعلم من هذا؟ إنه ثمامة بن أثال، ملك اليمامة، فقتْلُه يشعل علينا نارَ حربٍ كبيرةٍ
قال أحدهم: والله إن أصبتموه بسوءٍ لقطع قومه عنا الميرة، وأماتونا جوعاً، ثم أقبل القوم على ثمامة بعد أن أعادوا السيوف إلى أغمادها وقالوا:
ما بك يا ثمامة، أصَبَوْتَ؟ -يعني أسلمت وتركتَ دينك ودين آبائك-
قال ثمامة : ما صبوت، ولكني اتّبعتُ خير دينٍ، اتّبعتُ دينَ محمد.
ووالله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ
فارتفعت الأسعار في مكة، وتفشّى الجوع واشّتد الكرب عليهم حتى خافوا على أنفسهم وأبنائهم من الهلاك. فكتبوا إلى الرسول ﷺ يقولون:
إنَّ عهدنا بك تصل الرحم وتحضّ على ذلك وإنّ ثمامة بن أثال قد قطع عنا ميرتنا وأضرَّ بنا. فإن رأيت أن تكتب إليه أن يبعث بما نحتاج إليه فافعل.
فكتب ﷺ إلى ثمامة بأنّ يُطلق لهم ميرتهم فأطلقها.
حينما ادّعى مسيلمة النبوة ، قام ثُمامة خطيباً في قومه فقال :
> يا قوم اطيعوا أمري و اسمعوا قولي تَرشدوا ، إنَّه لايكون نبيان بأمرٍ واحد
وإنَّ محمد ﷺ لا نبيَّ بعده ولا نبيَّ اُشرِكَ معه <
ثم قرأ الآيات الأُوَل من سورة غافر :
حم
تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ
سورة غافر
ثم قال : هذا كلام الله عز وجل ، أين هذا من يا ضفدع بنت ضفدعين ! ووالله أنكم لترون مايخرج هذا من إلّ ولا ربّ ! فاتبعّوني واطيعوا أمري.
فما اطاعوه ولا سمعوه بل عصوه و آذوه ، فأنشأ شعراً قائلاً فيه :
مسيلمة ارجــع ولا تَمَحَّــك
فإنـك فــي الأمــر لـم تُشــرك
كذبــت على الله فــي وحيــه
فكـــان هواك هــوى الأنــوك
ومنـــاك قومـك أن يمنعــوك
وإنْ يأتهــم خالــد تتـــــــــرك
فمالك من مصعد في السمـاء
ولا لك في الأرض من مسلك
حتى حسان بن ثابت بعث بأبيات إلى مُحَكّم بن طفيل الذي كان يُعرف بـ محَكّم اليمامة حيث كان من رؤوساء اليمامة ووزيراً لمسيلمة. يزجره فيها ويثنيه عن اتبّاعه لمسيلمة ويخّوفه ببأس المسلمين الآتين ،إذ أنّ أبو بكر قد بعث ب خالد بن الوليد قاصداً حرب كذّاب اليمامة بعد أن يفرغ من اسد وغطفان بعد كتابٍ كتبه له جاء فيه :
«بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن عثمان، خليفة رسول الله ﷺ إلى خالد بن الوليد ومن معه/ من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، أما بعد:
يا خالد، فإني قد أمرتك بالجد في أمر الله، والمجاهدة لمن تولى عنه إلى غيره ورجع عن دين الإسلام والهدى، إلى الضلالة والردى، وعهدي إليك يا خالد أن تتقي الله وحده لا شريك له، وعليك بالرفق والتأني، وسر نحو بني حنيفة مسيلمة الكذاب، واعلم بأنك لم تلق قوماً قط يشبهون بني حنيفة في البأس والشدة، فإذا قدمت عليهم فلا تبدأهم بقتال حتى تدعوهم إلى داعية الإسلام، واحرص على صلاحهم، فمن أجابك منهم فاقبل ذلك منهم، ومن أبى فاستعمل فيه السيف، واعلم يا خالد فإنك إنما تقاتل قوماً كفاراً بالله وبالرسول محمد ﷺ فإذا عزمت على الحرب فباشرها بنفسك ولا تتكل على غيرك، وصف صفوفك واحكم تعبيتك واحزم على أمرك، واجعل على ميمنتك رجلا ترضاه، وعلى ميسرتك مثله، واجعل على خيلك رجلا عالما صابرا، واستشر من معك من أكابر أصحاب رسول الله ﷺ فإن الله تبارك وتعالى موفّقك بمشورتهم، واعرف للمهاجرين والأنصار حقهم وفضلهم، ولا تكسل ولا تفشل، وأعدّ السيف للسيف، والرمح للرمح، والسهم للسهم، واستوص بمن معك من المسلمين خيراً، وليّن الكلام وأحسِن الصحبة واحفظ وصية نبيك محمد ﷺ في الأنصار خاصة، وأن تحسن إلى محسنهم وتتجاوز عن مسيئهم، وقل لا حول ولا قوة إلا بالله»
قال حسان بن ثابت :
يا محكم بن طفيل قد نصحت لكم ... أتاكم الليث ليث الحضر والبادي
يا محكم بن طفيل قد أتيح لكم ... لله در أبيكم حية الوادي
يا محكم بن طفيل إنكم نفر ... كالشاء أسلمها الراعي لآساد
مافي مسيلمة الكذاب من عوض ... من دار قوم وأموال وأولاد
فاكفف حنيفة عنهم قبل ناعية ... تنعى فوارس حرب شجوها باد
ويل اليمامة ويل لا قوام له ... إن حالت الخيل فيها بالقنا الصادي
والله والله لا تثنى أعنتها ... حتى تكونوا كأهل الحجر أو عاد
لا تأمنوا خالدا بالبرد ملتثما ... وسط العجاجة مثل الضيغم العادي
تعدو به سرح الرجلين طاوية ... قب مشرفة المتنين والهادي
فلما وصل هذا الشعر إلى محكم بن الطفيل ؛ قرأه وأرسل إلى وجوه اليمامة فجمعهم ثم قال :
> يا بني حنيفة، هذا خالد بن الوليد قد سار إليكم في جمع المهاجرين، وإنكم تلقون غداً قوما يبذلون أنفسهم دون صاحبهم، فابذلوا أنفسكم دون صاحبكم < . فقالت بنو حنيفة :
> سيعلم خالد غداً إذا نحن إلتقينا بخلاف من لقيّ من العرب <
وكان لخالد بن الوليد صاحب اسمه عمير بن ضابيء اليشكري أحد سادات اليمامة فقال خالد له : إذهب إلى قومك واكسرهم لا تصيبهم قارعة -أي اقنعهم-
فذهب لهم عمير وكانوا لايعلمون عن اسلامه فقال لهم :
> يا معشر بني حنيفة … هذا خالد بن الوليد قد أتاكم بالمهاجرين والأنصار
ورأيتُ القوم يتتابعون على اليمامة … قد قضوا وطراً من اسد وغطفان وهوازن
و أنتم الآن في أكفهم ! وإني رأيتُ اقواماً إن غلبتموهم بالصبر غلبوكم بالنصر وإن غلبتموهم على الحياة غلبوكم على الموت وإن غلبتموهم بالعدد غلبوكم بالمدد
لستم والقوم سواءاً ، الإسلام مقبل والشرك مدبر ، وصاحبهم نبي وصاحبكم كذّاب
فـ الآن والسيف في غمده والنبل في جفيره قبل أن يُسّل السيف ويُرمى بالنبل. <
فلم يسمعوا له .
حتى جاء خالد بجيشه فوصل إلى ثنيّه تطّل على اليمامة تسمى (عقرباء)
-الجبيلة الآن- و ألتقى الجيشان فخطب مسيلمة في قومه فقال :
يا قوم … اليوم يوم الغَيرة …
اليوم إن هُزِمتم تُستَنكح النساء صبيات
ويُنكَحنَّ غيرَ حظيات
فدافعوا عن احبابكم وامنعوا نساءكم
اصطدم الجيشان وحمي الوطيس فكانت جولة فرّ فيها الإعراب الذين في جيش خالد وانخذل الناس بهم ، فتقدمت بنو حنيفة حتى دخلوا خِبَاء خالد بن الوليد !
فتذمّر الصحابة فزجر بعضهم بعضاً وحرّض بعضهم بعضاً حتى قام ثابت بن قيس بن شمّاس حامل راية الأنصار وحَفَر لنفسه حفرة ودخل فيها إلى انصاف ساقيه حتى يثبُت ولايفر فالخطب عليهم جلل.
وقام زيد بن الخطاب اخو عمر بن الخطاب وكان حامل لواء المهاجرين فقال :
اللهم إني اعتذر إليك من فرار اصحابي و ابرأ إليك مما جاء به مسيلمة
فكان يتقدم وهو يقول :
والله لا أتكلم حتى يهزمهم الله،
أو ألقى الله فأكلمه بحجتي
فما زال يتقدم حتى قُتل شهيداً رضي الله عنه.
وقال المهاجرون لـسالمٍ مولى ابي حذيفة: هل تخشى أن نُؤتى من قبلك؟
فقال : بئس حامل القرآن أنا إذاً !
وكان يصيح في الناس ويقول :
> يا حَمَلَة القرآن … زيّنوا القرآن بالفِعال <
واختلط المهاجرون والانصار ببعضهم في الجيش وتداخلوا فيما بينهم واصبح هنالك لبساً في الخطط والتوجيهات حتى صاروا يقولون : يا خالد… اخلصنا !
فأخلصهم من جديد و أعاد ترتيب كل مجموعة تحت لواء وراية حتى يُعلم من أين يدخل الخلل حين احتدام الجيشين.
وجعل خالد يروح في الصفوف ويجيء فلا يبقي احد إلا قتله ، وصبر الصحابة صبراً لا نظير له ، وقاتل بنو حنيفة قتالاً لم يُعهَد مثله ، ولم يزل هؤلاء وهؤلاء يضرب بعضهم بعضاً حتى فتح الله للمسلمين وفّر بنو حنيفة حتى لجأوا إلى حديقة ذات سور مرتفع جعلوها بمثابة الحصن المنيع لهم ، دلّهم عليها محكّم بن الطفيل فدخلوها بنو حنيفة وتحصّنوا بها وقُتل طفيل عند بابها.
ففكر المسلمين كيف يدخلون هذه الحديقة المنيعة ؟ فقام البراء بن مالك اخو انس بن مالك وقال : احملوني و ألقوني عليهم من وراء الجدار !
فكان بطل المعركة وعلى يديه دخل المسلمون الحديقة فأخذوا يقتلون في المرتدين قتلاً ذريعاً ثم بحثوا عن مسيلمة الكذّاب حتى وجدوه في ثُلمَة جدار كالجمل الأورق يريد أن يتسنّد على الجدار المتهدّم فلا يستطيع ولا يعقل من شدة الغيض ، وقد أزبد حتى خرج الزبد من شدقيه، فرماه وحشيّ بن حرب بحَربَه دخلت من جهة وخرجت من اخرى، ثم اسرع إليه سِماك بن خَرَشَة (أبو دجانة) بالسيف فقتله.
وبعد أن وضعت الحرب أوزارها واستشهد زيد بن الخطاب وجَمعٌ من الصحابة كلهم حفظة القرآن قيل عددهم اكثر من ٥٠٠ ؛ أمر ابو بكر الصديق بعدها بجمع القرآن.
أما بنو حنيفة فقيل قُتل منهم مايزيد عن ١٠ الاف وقيل ١٤٠٠ ومَن بقيّ حياً منهم أمرهم خالد بمراجعة الاسلام فأستجابوا .
وقيل جملة من مات ذلك اليوم ١٠ الاف من مسلمين ومرتدين.
هطل مطر غزير على المكان الذي هم فيه فسالت الدماء في الوادي وسُمي بـ شعيب الدم وهو موجود في منطقة الجبيلة بالإضافة للحديقة التي سُميت فيما بعد بـ حديقة الموت لكثرة من مات فيها إلى جانب قبور الصحابة رضوان الله عليهم و قبر زيد بن الخطاب رضي الله عنه.
وقد حَزِنَ عمر بن الخطاب حزنا عظيماً على استشهاد اخيه زيد فكان يقول :
> رحم الله أخي سبقنى إلى الحسنيين ، أسلم قبلي واستشهد قبلي <
ومن شدة حبه وتوجّده عليه كان يقول :
> لا يأتي ريح الصبا إلا ووجدتُ فيه ريح زيد <
وقيل أنه حينما يقابل قاتل اخيه أبو مريم الحنفي يقول له :
> ويحك لقد قتلت لي أخاً ما هبت الصبا إلا ذكرته <
وقيل أنه كان يسأله فقال : أقتلت زيد بن الخطاب؟
فقال أبو مريم : أكرمه الله بيدي، ولم يُهِنِّي بيده
فسأله عمر : كم ترى المسلمين قتلوا منكم يومئذ؟
قال أبو مريم : ألفًا وأربعمائة يزيدون قليلاً
فقال عمر : بئس القتلى!
قال أبو مريم : الحمد لله الذي أبقاني حتى رجعت إلى الدين الذي رضي لنبيه عليه السلام، وللمسلمين.
وقدقال عمر ايضاً لـ متمم بن نويرة الذي قد رثى أخاه مالكًا بأبيات كثيرة :
> يرحم الله زيد لو كنت أقدر أن أقول الشعر لبكيته كما بكيت أخاك <
فقال متمم : ولو أن أخي ذهب على ما ذهب عليه أخوك ما حزنت عليه
فقال عمر : ما عزاني أحد بأحسن مما عزيتنى به.