شبابيكنا 8
خرج من المسجد بعد أن أدى صلاة الفجر وتوجه إلى سيارته ( التاكسي ) وأوقد المحرك وهو يقول: يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم ..
تحرك نحو الشارع العام منتظراً أن يطلبه أحد ..
مرت ساعة كاملة حتى لاح له الطلب الأول، كان الراكب رجلاً في السبعين من عمره رحب به وسأله عن الوجهة التي يريدها، فأخبره بها ..
بادر سائق التاكسي بسؤال كي يكسر جمود الصمت ويفتح حديثاً معه: كيف هي صحتك؟ وكيف حال أبنائك؟
سكت الراكب برهة ثم أجابه: الحمد لله صحتي جيدة، مادام الإنسان يجد قوت يومه فهو في أفضل حال من النعم، وأما قد سألتني عن أبنائي فلقد جاوزت سن السبعين ولم أرزق بهم، ولكنني أعلم أنه خير قد كتبه الله لي وهل يأتي الخير إلا من العزيز القدير.
انتبه السائق إلى أنه استعجل في سؤاله، ولكنه تعجب من قوة إيمان هذا الرجل وصلته القوية بالله تعالى.
أوصله إلى مكانه، وتوجه نحو الطريق العام ليبحث عن طلب آخر ..
ركب معه فتى في الخامسة عشر من عمره طالباً أن يوصله إلى المدرسة، بادر الفتى بالحديث وكان يحكي له عن حماسه لهذا اليوم في المدرسة، والذي كان آخر يوم في الإختبارات النهائية، وكيف خطط والديه لقضاء العطلة الصيفية في رحلة عائلية إلى الخارج.
كان السائق يبادله أطراف الحديث ويتفاعل معه ويبتسم له، حتى وصلا إلى المدرسة ودَّعه الفتى وقال شكراً لك يا عم ..
أكمل السائق يومه على هذا المنوال، وكان جميع من يركب معه يبادلونه أطراف الحديث، حاكين له عن بعض تجاربهم وآخر مغامراتهم ومواقفهم.
انتهى اليوم وانهى معه السائق آخر طلب له، أوقف السيارة أمام المنزل، وتأمل يومه وما سمعه من تجارب ركابه ومواقفهم ..
ثم خرج عائداً إلى منزله .. وظهرت عبارة كان يضعها في السيارة ليراها كل من يركب معه وكانت تقول:
( إذا لم تجد أحداً تتحدث معه فأنا هنا كي أستمع إليك .. )