…من وصايا حبيبتي
بينما أكون بمكتبي منغمساً في مهام عملي إذا بالباب يُطرق وبهدوء يُفتح ... نور يتجلى ... نسمة عطِرة تنتشر ... ابتسامة تُشرق تبعث طاقة حُب ... لا اتمالك نفسي أقوم مسرعاً ارتمي في حضنها ... اقبّلها ... انظر في عينيها واستمد طاقة لا استطيع وصفها ... تمسح على رأسي وتسأل عن احوالي ... تعتذر عن مقاطعتي وتقول لن أُطيل فقط اطمئن عليك يا حبيبي وتدعو لي دعوات صادقة تنير لي الطريق ... إنها أمي ... نبع الحنان ... هذا المشهد الجميل يتكرر منذ أن امتلكت مكتبي الخاص بمنزلنا مع والدي القدوة حفظه الله وحتى الآن ... افتقد هذه الزيارة عند سفرها وأسأل الله أن يحفظها ويرعاها ويسعدها ويرزقني برها ... وفي ختام كل زيارة تحفزني بنصيحتها المتكررة -حتى في رسائلها واتصالاتها أيام دراستي بالخارج- وتقول بصوت مليئ بطاقة الحب والعطف والاهتمام "نايف اهتم بصحتك ونظّم وقتك ".
نصائح أمي المتكررة بتنظيم الوقت جعلتني أبحث باستمرار عن التجارب والممارسات والأدوات في هذا المجال. كانت البدايات بالبحث منذ المرحلة الثانوية حيث كنت استخدم فكرة قوائم المهام مع حجز مواعيد محددة لتنفيذها ( Time Blocking & To-do List ) غالب المهام كانت في إطار متطلبات المواد الدراسية حيث كانت هذه الطريقة بالنسبة لي فعّالة جداً استمريت عليها حتى تخرجت من كلية الهندسة. لما بدأت العمل أصبحت هذه الطريقة بحاجة إلى تطوير جذري للتغلب على الصعوبات والتحديات المتعددة خلال فترة تزامن عملي المهني وإكمال الدراسات العليا. أصبحت فكرة إستغلال الوقت والإنتاجية على المستوى الشخصي والعملي هاجس مستمر معي إلى اليوم. قرأت الكثير من الكتب واقتنيت كثيراً من البرامج الحاسوبية، بل وشاركت في كثير من الورش التدريبية وبعد كل مرحلة أطبق واخرج بعدة ملاحظات بهدف تطبيق آلية تناسب قدراتي وليس قوالب ومنهجيات عامة اطبقها دون فهم عميق لها.
بعد هذه التجارب على مدى تلك السنين أستطيع أن الخّص تجاربي في عالم التخطيط والإنتاجية الشخصية في إطار عمل مكون من ثلاث مراحل رئيسة. هذه المراحل اعزم على طرحها مستقبلاً في منهج إلكتروني يوضح الفلسفة لكل مرحلة مع امثلة للتطبيق. لن أكون الأول في طرح هذا الموضوع فقد سبقني له الكثير وببحث بسيط تجد عشرات الكتب والفيديوهات، ولكن الهدف الرئيسي من جدولة هذا المشروع هو التركيز على الفلسفة خلف هذه المنهجية ونقاط الضعف في التطبيق مثل الاستمرارية وأدوات التقييم مع امثلة عايشتها واوجدت لها حلولاً. اسأل الله التوفيق والبركة في الوقت ليرى هذا المشروع النور.
كوني مهندساً وتقنياً في الأصل اؤمن بأن كل شيء قابل للتحسين المستمر إذا بُني على أساس إجراءات وخطوات واضحة مع نمذجة بصرية تساعد على الفهم أولاً ثم بناء نقاط للقياس بهدف التحسين. هذه الفكرة تُسهم في التنقل بين النظرتين التفصيلية الدقيقة والعامة الشاملة وتوفر أرضية صلبة للتفكير والتحسين والتطوير.
إطار العمل ببساطة مكون من ثلاثة مراحل رئيسية كما في الشكل التالية.
المرحلة الأولى تركز على فهم الذات وذلك من خلال بناء مصفوفة الممكنات كأول خطوة. هذه المصفوفة مكونة من أربع محددات رئيسية (القيم الشخصية، السمات الشخصية، نقاط القوة، قيم العمل). لكل مكون هناك أدوات وإختبارات معتمدة تساعد إلى حد كبير في تحديدها على سبيل المثال DiSC, MBTI, Clifton Strengths Finder. هذه الاختبارات والمقاييس هي فقط مؤشرات وليست كل شيء. هناك من اسرف في استخدامها وضع نفسه في إطار وقالب محدود بينما النفس البشرية أكبر بكثير من هذه الإختبارات والمقاييس. لذا في هذه المرحلة انصح بأخذها لدى مراكز متخصصة يساعدون في قراءة النتائج ويعطون جلسات توجيه بشكل إحترافي حتى يتكون لديك تصور واضح لكل جزء من مصفوفة الممكنات. أهم نصيحة في هذه المرحلة هي "كن صادقاً مع نفسك فأنت فقط المسؤول عنها".
بعد بناء هذه المصفوفة أكتب غايتك في الحياة. هناك عدة أساليب ومدارس لبناء الغاية (الرسالة) ولكن هي ببساطة إجابة لعدة أسئلة جوهرية وعميقه أهمها: لماذا أنت موجود ؟ ماهي القيمة المضافة التي تقدمها في حياتك ؟ هذه الأسئلة لا تستطيع أن تجيب عليها في وقت قصير فهي تحتاج لخلوات وجلسات صادقة مع نفسك.
الخطوة الأخيرة في هذه المرحلة هي تحديد المجالات التي تهمك ووضع رؤية لكل مجال. هذه الرؤية توضح وضعك الحالي والوجهة التي ترغب في الوصول لها. على سبيل المثال عند صياغة رؤية المجال العلمي حدد الدرجة العلمية أو الشهادة المهنية التي ترغب الوصول لها وحدد الوقت المتوقع. خلال هذه المرحلة قد يكون الطريق لتحقيق هذه الرؤية غير واضح وهذا هو الأصل؛ ولو كان واضحاً لما أصبحت رؤية، بل هدف ومهمة واضحة المعالم والخطوات للتنفيذ. الرؤية الشخصية لكل مجال كما يروق لي تعريفها بأنها حُلم كبير ضمن إطار الغاية الشخصية.
المرحلة الثانية هي مرحلة التخطيط وتشمل ثلاث خطوات. الأولى تحديد الأهداف لكل رؤية ضمن كل مجال، يليها تحديد المشاريع لكل هدف والأخيرة سرد المهام ضمن كل مشروع. بناء الأهداف في حد ذاته موضوع استغرق مني الكثير لفهمه بالشكل الصحيح ومستمر في البحث والتجربة. مؤخراً وجدت تفسير لماذا الكثير منا يضع أهداف ويشعر بالحماسة نحوها في البداية، ولكن سرعان ما يفقد تلك الحماسة ويتوقف. بحلول الله أُناقش هذا الموضوع بتفاصيل أكثر لاحقاً.
المرحلة الثالثة هي مرحلة التنفيذ والتحسين المستمر. هذه المرحلة هي الحاسمة لاستمرار العمل ولتحقيق رؤية كل مجال وعيش غايتك بكل متعة حتى مع وجود التحديات. هناك أدوات كثيرة مساعدة، ولكن أهمها هي الاجندة/التقويم. كل المراحل السابقة إذا لم تنعكس وتترجم إلى مهام يومية وتراجع بشكل دوري (اسبوعي، شهري وسنوي) بهدف إحراز تقدم و إجراء التحسين المستمر ؛ فسوف تبقى رغبات لا أكثر !! بل سوف تتحول إلى فائض احتمال يؤثر سلباً ويكون مصدر الإحباط والنظرة السلبية. تخطيط بدون تنفيذ وتحسين هو مجرد أحلام لا أكثر.
هذه الإطار المكون من ثلاث مراحل يمكن إعادة نمذجته في خطوات عملية متسلسلة حسب الشكل التالي. لا حقاً سوف يتم عرضه في محتوى إلكتروني مكتمل يشمل خطوات عملية وتفصيلية لكل مرحلة بحول الله.
الخلاصة
"نظّم وقتك" هي من أغلى نصائح حبيبتي أمي. نصيحة عميقة جداً ترجمتها في إطار عمل مستمر في تحسينه من خلال التأمل في تجارب تطبيقي لجميع مراحله الثلاث بداية مع تطبيق مصفوفة الممكنات ورسم الغاية والرؤية لكل مجال ثم التخطيط والتنفيذ والتقييم بهدف التحسين.
اسعد بمشاركة رأيك حول تنظيم وقتك والإنتاجية الشخصية وكيف تخطط لتحقيق اهدافك وهل الاهتمام بتنظيم الوقت ينعكس على سلوك القادة؟
@nmokhayesh