هذا الموظف ذو أداء ضعيف ...

ولكن لماذا؟ 

القريبين مني يعرفون مدى تحفظي على الاستراحات والديوانيات والتجمعات اليومية التي فيها مضيعة للوقت والجهد. قد يكون هذا الرأي متزمّت و متعصب جداً ولكن بغض النظر عن رأيي الخاص تخيل لو كان لديك القدرة على التجول سريعاً على ديوانيات وتجمعات الموظفين خارج أوقات الدوام وخلال هذه الجولة يمكنك استعراض أهم المواضيع والقضايا التي يناقشونها. فمع أنى لا احضر هذه التجمعات فأكاد أجزم أنك سوف تخرج بملخص لا يتعدى المواضيع التالية :


    > تحليل دقيق وعميق للدوريات الرياضية العالمية والمحلية

    > نقاشات طويلة عن نوع العشاء والمعجنات والكبسات وأسباب تأخر جمع القطه

    > أسعار العقار وفرص الاستثمار

    > نقد لمشروع أو قرار بمقر العمل أو جهات أخرى تعني غالب الحضور

    > مشاركة معلومات وتجارب ومناقشة ملخص كتاب !!

    > موظف يشتكي مديره أو مدير يشكو حال موظفي إدارته 


كل هذه المواضيع لا تثير اهتمامي مطلقاً عدى آخر موضوعين وسوف اخصص هذا المقال عن الموضوع الأخير وهو النقد اللاذع من المدير لموظفي إدارته وفي المقابل نقد الموظف الدائم لمديره والكل يشتكي من سوء أداء الآخر. 

 

طالما اشغل بالي هذا الموضوع منذ بدأت العمل وأبحث دوماً عن السبب والعلاج. لماذا هذه الشكوى المتكررة؟ هل هي بسبب حسابات شخصية ؟ أم هي بسبب سوء فهم ؟ أم بسبب غيره بين الموظفين ؟ في الواقع لا اكاد أجد إلا في النادر موظف يمدح مديره ويتحدث بشغف عن مشاريعهم وعملهم واثرها أو مدير يعتز بفريق عمله و يتمدح اداءهم وجودة إنجازهم. 

 

قد تتساءل عزيزي القارئ لماذا يشغل بالي هذا الموضوع وهو يبدو طبيعياً كون رضاء الناس غاية لا تدرك !!؟ في الواقع كثرة التذمر والاستياء في بيئة العمل تبعث على الاكتئاب؛ بل وتؤثر على صحة الموظف على المدى البعيد. لا أُبالغ مطلقاً فكم من موظف أصيب بالضغط من سلوك مديره معه وكم من مدير أصيب بالأرق وصعوبات النوم بسبب سوء أداء افراد إدارته وخوفه المستمر على مسؤولياته. هناك قصص خلافات في بيئات العمل وصلت إلى مستويات متطورة جداً ولا يمكن تخيلها وليس المجال هنا لذكرها. ليس من الطبيعي أن يكون هذا هو الحال السائد في بيئات العمل حيث أن الأصل العكس تماماً و واجب على إدارات الموارد البشرية في جميع المنظمات توفير كل الممكنات لكلا الطرفين لينعم الجميع ببيئة عمل صحية منتجة آمنة ومحفزة للإبداع كما أن على الموظفين والمدراء تعلم مهارات التواصل وسلوكيات القيادة والإدارة بهدف خلق بيئة عمل صحية منتجة تبعث على البهجة وليس العكس.

خلال تأملي للأسباب عدم رضى الموظفين عن مدرائهم والشكوى الدائمة من الرؤساء عن أداء الموظفين والبحث مستمر قمت بحصر أهم الأسباب التالية وملخص لطرق علاجها من تجاربي كموظف وإداري وكقائد ومن قراءاتي المستمرة. في المستقبل سوف اعود لطرح هذا الموضوع من زوايا متعددة كون البحث مستمر ومتجدد بتجدد التجارب والمهام القيادة. 

 

  • عدم وضوح وفهم الرؤية. في الواقع الرؤية هي البوصلة التي توجه الجميع. تخيل انك تسافر على متن طائرة لا تعلم وجهتها ولا تعلم لماذا أنت موجود بها!!. وتخيل العكس عندما يكون مسار الرحلة واضح جداً مع شرح لجميع المحطات والمدة الزمنية بل حتى أسباب إختيار هذه الوجهة. من المؤسف أن تسأل الموظف ماهي رؤية المنظمة التي ينتمي لها وتجده يرد عليك بوابل من الشكاوي والتذمر والنقد ولا يعرف رؤية المنظمة التى يعمل لديها. 

  • الفجوة بين الخطة الاستراتيجية والخطط التشغيلية. لا تكاد تجد منظمة إلا ولديها خطة استراتيجية مطبوعة على ورق فاخر جداً وذات الوان زاهية ولكن في المقابل لا تجد خطط تشغيلية لكثير من الإدارات!!. هذه الفجوة تسبب خلل في الأداء ويكون منسوبو الإدارات يعملون في اتجاه وبقية المنظمة في اتجاه معاكس ويكون التنسيق بين الإدارات ضعيف جداً ويحرص الجميع على إنجاز عمله في نطاق إدارته فقط ولا يفكر في التكامل مع الإدارات الأخرى. ابسط عميل لأي منظمة يستطيع أن يلمس هذه الفجوة. وبالتأمل والتفكر قليلاً تجد أن تذمر المدراء هو بسبب إخفاقهم في إيصال مستهدفات المنظمة لجميع الإدارات بطرق تعاونية وليس مجرد خطابات جوفاء جامدة إضافة إلى عدم تمكين فرق العمل من بناء الخطط التشغيلية المتوائمة مع استراتيجية المنظمة وقدراتهم و الأدوات المتاحة. 

  • عدم تحديد من المسؤول. من الملاحظ أن هناك فهم محدود وخلط للمساءلة والمسؤولية والسُّلطة. فالأولى تعنى بمن لدية القدرة على الحساب وعادة هو شخص واحد فقط ؛ أما المسؤولية فهي القدرة على التجاوب من جميع افراد الفريق أما السُّلطة فهي تخص من يتخذ القرار النهائي الحاسم سواء فرد أو فريق مثل مجلس الادارة. تجد أن كثير من الاعمال يتم الاتفاق عليها ولا يحدد من هو المسؤول. في كتاب ارتقاء الاعمال وضع قاعدة مهمة مفادها "إذا كان هناك أكثر من شخص للمُساءلة فلا أحد يُحاسب وعندها تبدأ الأمور بالتداعي."  

  • المبالغة في الاهتمام بالمؤشرات. هوس جمع الأرقام وتضخيمها وقع فيه كثير من المنظمات وأصبح العمل في الغالب لتحقيق أرقام وليس لتقديم قيمة. الأرقام لا قيمه لها إذا لم توضع في السياق الصحيح. الاهتمام المبالغ فيه بالمؤشرات هي مصدر ضغط على الموظفين والمدراء تجعلهم يغفلون عن تحسين العمل وتخلق أجواء مشحونة لتحقيق أرقام قياسية ليس لفترة محددة بل تصبح هي الهاجس الدائم.

  • هرطقة الجودة. الجودة ممارسة كما أنها ليست تعبئة نماذج واوراق واجتياز مؤشرات وتحقيق اعتمادات. الجودة سلوك يتقنه الموظف ويتحسن باستمرار. اعرف منظمات حصلت على اعتمادات عالمية وهم مدركين تماماً انهم غير ملتزمين بالشكل المطلوب بتلك الاعتمادات إلا خلال فترة التقييم وبعدها عادت الأمور لسابق عهداها. لك أن تتخيل شعور الموظف في هذه الحالة (شعور انفصام وعدم ثقة) كيف يدعم هذا الموظف على سبيل المثال مشاريع التحول الرقمي النوعي مع هذا الشعور .

  • غياب الأهداف المشتركة. كل موظف لديه أحلامه ومستهدفاته الخاصة. التحاقه بالعمل في منظمة تدعمه لتحقيق اهدافه تجعله أكثر ولاءً والتزاماً وابداعاً. في المقابل غياب اهداف ومستهدفات المنظمة وعدم ربطها بأهداف الموظف ومخطط مساره الوظيفي يكون أثره سلبياً على الجميع. 

  • غياب بطاقة الاداء الوظيفي. أشار كتاب ارتقاء الاعمال إلى ضرورة بناء السجل الوظيفي للنتائج أو ما يسمى ببطاقة الاداء الوظيفي. هذه البطاقة تحدد المسؤوليات وآليات قياسها لكل موظف وربطها مع رسالة الموظف وأهدافه. هذه البطاقة بمثابة العقد التشغيلي الذي يعود له الموظف والمدير ويراجع دوريا ويساعد الجميع على التعاون وذلك لوضوح المطلوب من الموظف وتحديد المستهدفات ويضمن أرضية قوية للتحسين المستمر. هذه البطاقة تكون محفز إذا تم تطبيقها بطريقة صحيحة وليست مجرد نماذج روتينية خاوية.

 

الموضوع متشعّب وعميق لذا البحث لازال مستمر عن الأسباب وطرق العلاج فهي رحلة مستمرة كون قيادة الإنسان ليس بالأمر الهين مطلقاً. كيف تكون سهلة وهذا الإنسان الذي به بذرة الخير و يحمل مشاعر واحاسيس وأهداف وتطلعات وأحلام ومسؤوليات لابد أن يتم مراعاتها ودعمها بهدف خدمة الموظف أولاً و خلق بيئة عمل صحية ومنتجة بأدي موظفين شغوفين تمت مراعاة احتياجاتهم.

الخلاصة

كل إنسان فيه بذرة خير وبالتالي لدي القناعة التامة أنه لا يوجد موظف سيئ مطلقاً؛ ولكن في المقابل يوجد مدير و قائد لا يجيد أدوات وممارسات تمكين الموظف ليبرز أفضل ما لديه.

 

اسعد بمشاركة رأيك حول أسباب الاداء السيئ لبعض للموظفين وأدوات علاجها. 

@nmokhayesh

Join