تقنية المعلومات عائق … سوف اتخطاهم!!


هندسة البرمجيات هي من المواد التي استمتع بتدريسها وهي من أحب المواد العلمية إلى قلبي كونها تجمع عدد من المهارات والممارسات والتطبيقات بداية من تحليل متطلبات العميل وحتى إدارة المشاريع وقيادة الفرق ضمن اُطر عمل ومنهجيات عملية وهندسية طابعها تطبيقي كونها من الميدان وتتسم بالمرونة مع إمكانية التوسع والتحسين حسب بيئة العمل. كما أن لها ايضاً علاقة بعلم النفس بطريقة غير مباشرة وتحديداً في نطاق Applications Usability. وقد يكون هذا هو أحد أهم الأسباب لاهتمامي ببعض ممارسات علم النفس وعلاقتها بفنون الإدارة والقيادة وتطبيقاتها في مشاريع التحول الرقمي. موضوع أول محاضرة عادة يهدف إلى تأسيس عدد من المفاهيم الرئيسية حول العلوم الهندسية وفنون البرمجيات وعلاقتهما ببعض إضافة إلى بعض الممارسات الأساسية في إدارة المشاريع.

 

 الفكرة التي أركز عليها مع طلابي في بداية عرض هذا المقرر الجميل تكمن في سهولة وسرعة انتاج البرمجيات والتطبيقات لغير المتخصصين. يعود ذلك إلى استخدام تقنيات بسيطة تتميز بسهولة الاستخدام غير مخصصة للمنظمات المتوسطة والكبرى. إضافة إلى تجاهل غير المتخصصين لقواعد واساسيات تطوير الانظمة التي تراعي عدد من المتطلبات الاساسية مثل قابلية التوسع و التكامل مع الانظمة الاخرى وغيرها من منهجيات تطوير الانظمة والخدمات الإلكترونية. أقرب مثال استخدمه لتوضيح هذه الفكرة هو لفت انتباههم إلى ملاحظة كثير من المقاولين الذين يستطيعون بناء منازل دون دراستهم لأي مادة في الهندسة المدنية أو المعمارية. هذا النوع من غير المتخصصين يتمتعون بكارزما اعرفها جيداً وروح المغامرة مع الجلد والصبر، ولكن يا للأسف على غير هُدى وبدون علم وفهم!! هذا النوع من غير المتخصصين قد يُورد المنظمات المهالك بسبب حماستهم واندفاعهم وسرعة انتاج تطبيقات في ظاهرها جمال لا يقاوم، ولكن هي مثل "فلل الكراتين" التي ينفذها المقاولين غير المتخصصين وبالتالي تصبح هم وغم على مالكها الذي غالباً يضطر إلى هدمها وإعادة البناء.

وقفت على عدد من المشاريع التي تبخّرت وضاع الاستثمار بالوقت والجهد والمال فيها بسبب أنها بُنيت بأيدي غير المتخصصين. وعند البحث عن السبب الرئيسي خلف فشل هذه المشاريع أجد في الغالب جواب مشترك وهو "تقنية المعلومات هي العائق !!" وعندما اتعمق أكثر أجد العجب وسوف اسرد باختصار عينة محادثه من أحد جلسات الاستشارات:

 

نايف : لماذا ترى تقنية المعلومات هي العائق ؟

 

المستفيد: الأسباب كثيرة وأهمها:

    1.مشاريعهم مكلفة جداً 

    2.يطلبون طلبات تعجيزية قبل بداية المشروع 

    3.لا يقبلون أي مشروع جديد ويصرون على الاستفادة من الأنظمة الحالية

    4.إجراءاتهم طويلة وانجازهم ضعيف

    5.لديهم سياسات صارمة 

 

نايف: هل تناقشت معهم حول هذه الملاحظات وبينت لهم أنهم عائق أمام تقدم اعمالكم ؟

 

المستفيد: بصراحة لا !! لكن اعرف ردهم مسبقاً طلباتهم كثير وليس لديهم رغبة للإنجاز !!

 

نايف: اذاً أنت تفترض اجابتهم مسبقاً قبل الحديث معهم والسماع منهم مباشرة صحيح؟


المستفيد: نعم ... "يا رجال اعرفهم زين هوذلا ربعي اعرف كيف يفكرون !!"

 

نايف: واضح … وسوف اعود لهذه النقطة لا حقاً !!

 

المستفيد: "الله يستر منك يابو عمر ؛ نظارتك توحي بأني جبت العيد"

 

نايف: ليس عيداً واحداً، بل مواسم أعياد 😊

 

نايف: لنكمل، هل هذه المبررات كافية في نظرك لتتخطاهم وتنفذ مشروع تقني دون إشراكهم؟

 

المستفيد: نعم بكل تأكيد والسبب "نحن نريد أن يكون لدينا تحول رقمي سريع ونريد أن ننجز اعمالنا ونلحق بالركب في مشاريع التحول الرقمي لذا قررنا أن نتخطاهم وننجز علمنا بطريقتنا والحمد لله لدينا الإمكانيات والدعم "

 

نايف: رائع هذا الشعور والحرص على تقدم منظمتكم وتحقيق نتائج لكن هل أنت راضي عن هذا المشروع تحديداً ؟

 

المستفيد: الحقيقة لا !! ولكن فلان خذلنا !!

 

نايف: لماذا في الأصل اخترتموه لتنفيذ هذا المشروع؟

 

المستفيد: يا أخي متحمس ويورينا نتائج سريعة وأنجز في وقت قياسي لكن "هذا المشروع مثل الطبخة اللي اكلناها وتلبّكت في بطونا !! "

 

نايف: هل هو متخصص وهل لديه فريق متخصص أيضاً؟

 

المستفيد: لا والله هم أبعد ما يكون عن التخصص ولا يعرفون لغة وكل شغلهم على اجهزتهم الشخصية والاستضافة خارجية وخلها على الله.


اكتفي بهذا القدر من السرد لأحداث بعض جلسات الاستشارات لهدف هذا المقال فقط. 

يظهر جلياً للحالة السابقة الافتقار لأهم ممارسات القيادة وتفويض غير المختصين بإنجاز اعمال خارج نطاق مهامهم واختصاصهم وخبراتهم. والسبب يكمن في إغراء بعض النتائج الأولية التي حققوها والتي لا يعوّل عليها مطلقاً في أي مشروع يؤثّر بشكل مباشر على عمل المنظمة. والمسؤولية تقع بكاملها على من يمكّن هذا النوع من غير المختصين لتنفيذ مهام تقنية لها ابعاد لا يعيها غير أصحاب المهنة والخبرة. هي مثل من يشتكي من الم الظهر ويذهب لمعالج شعبي يربط المريض من رجلة ويعلّقه بالسقف بزعم تمدد العضلات واسترخاء المفاصل!! 

 

اقولها بثقة ومن واقع خبرة وتجارب في عدد من المنظمات الحكومية والخاصة لن ينجح أي مشروع تحت مظلة التحول الرقمي دون التعاون التام بين المستفيدين وفريق تقنية المعلومات. وعدم إشراك تقنية المعلومات سوف يكون له آثار يصعب علاجها وقد تدخل في متاهات قانونية. 

فريق تقنية المعلومات هم العمود الفقري لأي مشروع تقني أو تحول رقمي للأسباب العشرة التالية: 

  1. يضمنون التكامل بين الأنظمة التقنية بالمنظمة 

  2. لا ينفذون مشروع إلا بعد التأكد من قابلية التوسع المستقبلي مع الاهتمام بمبدأ الاستدامة

  3. يهتمون بتوحيد مصدر البيانات واكتمالها ودقتها 

  4. يحرصون على تطبيق سياسات الامن السيبراني وأمن المعلومات

  5. يوفرون الصيانة الوقائية لجميع الأنظمة والخدمات الالكترونية

  6. يستقرئون فرص مشاريع التحول الرقمي وذلك من خلال تحليل البيانات والخروج بأفكار إبداعية يكون لها أثر في نموذج عمل المنظمة

  7. يعتمدون منهجيات عمل تضمن توثيق الأنظمة وتطويرها وصيانتها دون الاعتماد على الأشخاص

  8. لديهم سرعة استجابة للتغيرات والاحداث وأي مستجدات تتطلب تعديل على الأنظمة والخدمات التقنية 

  9. يطورون الخدمات الإلكترونية من خلال إشراك المستفيدين في مراحل التطوير لضمان نجاح الخدمة وتكييفها حسب المتطلبات.

  10. تطبيق مبدأ كفاءة الانفاق على المدى القريب والبعيد في جميع المشاريع التقنية.

الخلاصة

فريق تقنية المعلومات هم العمود الفقري لأي منظمة، تجاهلهم في تنفيذ المشاريع التقنية من غير المتخصصين له آثار سلبية على المنظمة ويتحمل المسؤولية الكاملة أصحاب القرار الذين مكّنوا غير المختصين من تنفيذ مهام ومشاريع خارج اختصاصهم. تكامل تقنية المعلومات مع المستفيدين هو أساس نجاح المشاريع التقنية ومشاريع التحول الرقمي.

 

 أسعد بمشاركة رأيك حول أهمية دور تقنية المعلومات في مشاريع التحول الرقمي وهل يمكن تخطيهم!

@nmokhayesh

https://naifmokhayesh.me

Join