محاضرة مملّة…!!
ماهو السبب ؟ وكيف الحل؟
ثلوج، عواصف، ودرجات حرارة تصل إلى أقل من ٢٠ درجة مئوية تحت الصفر وتستمر أيام. كل شيء حولي لونه رمادي...
افرح كثيراً لرؤية الشمس اخرج بهدف أن أستمد منها قليلاً من الطاقة التي تُبدد هذا الجمود في جسمي وحتى مشاعري وتفكيري؛ ولكن للأسف أجدها أشبه بإضاءة الفلورسنت fluorescent lamp.
الأولاد، البيت، العلاقات، السيارة وحتى صحتك العقلية والنفسية والمشاعرية كلها بحاجة إلى عناية خاصة حتى تستطيع المحافظة عليها وتخرج بسلام وبأقل الخسائر بنهاية فصل السُبات. مع كل هذا أحمل حقيبتي على ظهري متجهاً إلى الجامعة وأدخل القاعة مبكراً لعلي احتسي تلك القهوة المرّة وأحس بقليل من الدفئ...
في تلك الاثناء إذا بتلك البروفسورة النحيلة الصفراء تدخل القاعة بصورة مفاجئة وكأنها رياح عاصفة. تبدأ بوضع حقائبها وبينما هي تنتظر دخول الطلاب تعصف شعرها المجعّد بربطة عفى عليها الزمن وتخِرج أقلام السبورة من كيس بلاستيكي تغير لونه مع الزمن إلى الوان لا أكاد أُميزها وتتناول من حقيبتها أوراق صفراء مهترئة و مبعثرة يظهر عليها جلياً غبار الزمن... تسحب السبورة الاولى... وتبدأ بكلمتها المعهودة "لنبدأ" let’s get started...
خلال تلك اللحظات البسيطة أحاول استجمع قواي العقلية للتركيز و ابدأ أنقل ما تكتبه واحاول الفهم. طوال وقت المحاضرة تتحدث إلى صديقتها (السبورة) و كأننا كطلاب غير متواجدين. تكتب بشكل جنوني وسريع وأنا أحاول اللحاق بها ولكن للأسف ما أن أكتب سطرين من تلك المعادلات إلا واجدها تناولت سبورة أخرى ورفعت السبورة التي امتلأت بطلاسم المعادلات التي كتبتها في دقائق بسيطة... يستمر المشهد ثلاث ساعات وأنا في سباق معها تارة أنقل ما تكتبه على تلك السبورات المتحركة وتارة أحاول المشاركة بهدف إيصال رسالة أن تهدأ قليلاً. سيناريو اسبوعي استمر لفصل كامل همّه ومسؤوليته افقدني الإحساس بذلك البرد القارس وكنت أخرج من القاعة كأني للتو خرجت من جلسة تمارين رفع اثقال. هذه حالة كثير من المبتعثين في بعض الدول، يصبرون ويصابرون لنيل حلاوة تحقيق أهدافهم ولكل واحد منهم قصة تستحق أن تروى.
انتهى الفصل وعدى بسلام واحتفلت بالنتيجة التي حققتها لا سيما أن كثير من زملائي حذفوا المادة بعد اول أسبوعين. ولكن وقفت متأملاً في طريقة عرضها للمقرر وأسلوب هذه الدكتورة في إيصال المعلومة. سألت نفسي لماذا لا تجيد عرض المعلومة بطريقة تساعد الطلاب على الفهم كونها متميزة في تخصصها واسمها لامع في أروقة الجامعة. قد يكون السبب في في اعتقادها أن طلاب الدكتوراه أكثر وعياً وفهماً وخبرة من بقية فئات الطلاب الأخرى. لكن في الواقع هذا ليس سبباً مقنعاً مطلقاً. فلابد أن يكون المقرر مبنى بهيكلية تُسهم في تحقيق الهدف منه إضافة إلى أن كل محاضرة لابد أن تكون مخططة بطريقة تساعد الطلاب فهم موضوع المحاضرة وربطة ببقية المواضيع الأخرى بالمنهج. قناعتي أن مهما كان مستوى المتلقي لابد من اتباع طريقة ممنهجة لعرض أي موضوع والتدرج في شرح جميع الأفكار.
من هنا بدأت البحث بجدية عن الطرق المثلى لتخطيط المحاضرة وتقديم محتواها بطريقة تساعد الطالب(المجتهد) في الفهم والمتابعة. هناك كثير من الأبحاث الاكاديمية حول هذا الموضوع، ولكن اخترت نموذج واحد سهل وسلسل وبديهي وهو محور هذا المقال حيث سوف استعرض هذا الفكرة الرئيسية لهذا النموذج من وجهة نظر المحاضر والطالب
هذا النموذج مكون من ستة مراحل وتهدف إلى تخطيط المحاضرة بحيث تضمن اندماج الطلاب وتفاعلهم والربط مع المعلومات السابقة.
المرحلة الأولى(التهيئة) Bridge-in
تعد هذه المرحلة أهم مرحلة من وجهة نظري كونها تساعد المتلقي في التركيز طوال المحاضرة. في هذه المرحلة التي قد لا تتجاوز خمس دقائق يستعرض المحاضر مقدمة موضوع الدرس ويربطه ببقية المواضيع السابقة وذلك بهدف شد انتباه الطلبة لأهمية الموضوع واستثارة تفكيرهم وحماستهم تجاه محتوى الدرس. الطالب في هذه المرحلة أخذ فكرة عن محتوى بقية المحاضرة ولديه استعداد ذهني لما سوف يعرض من تفاصيل دقيقة في نطاق موضوع الدرس إضافة إلى تقييم مدى أهمية الدرس
المرحلة الثانية (الأهداف) Objective
هنا يتم التوضيح للطالب المكتسبات من مهارات ومعارف التي سوف يخرج بها بنهاية المحاضرة وماهو المتوقع منه تجاه هذه المكتسبات. الطالب يستطيع أن يقيم مستوى فهمه لمحتوى المحاضرة بعد نهايتها بالمقارنة مع المستهدفات التي تم توضيحها في هذه المرحلة. كنت الاحظ اهتمام الحقائب التدريبية التقنية بهذه الجزئية تحديداً حيث في بداية كل درس يتم توضيح المهارات والمخرجات بنهاية الدرس ويعاد تقييما بنهاية المحاضرة وهي أسلوب فعال وبالذات في الدروس التي تحتوي على مهارات تطبيقية.
المرحلة الثالثة (التقييم الاولي) Pre-assessment
الهدف من هذه المرحلة تقييم مستوى الطلبة وهل لديهم فهم سابق لمحتوى الدرس بحيث يمكن أن يتم التوسع فيه. هذه المرحلة تساعد في فهم الفروق الفردية بين الطلبة ومستوياتهم. بتجربتي لتطبيق هذا النموذج غالباً أدمج هذه المرحلة مع المرحلة الأولى حتى أستطيع اكيّف المحتوى الذى سوف أعرضه من أمثلة وتطبيقات حتى أُركّز على بعض الأمثلة وقد أتجاوز أخرى.
المرحلة الرابعة (المشاركة والتعلم) Participation and Leaning
هذه المرحلة هي أطول مرحلة حيث يتم عرض محتوى الدرس بتفاصيل أكثر مع الأمثلة والتطبيقات. تفاعل الطلبة في هذه المرحلة مهم للغاية ويمكن تطبيق فكرة flipped classroom كأحد المنهجيات. اشراك الطلبة في شرح المحتوى يساعد على الفهم والتفاعل بين الطلبة كون تعليم الاقران من الأساليب الفعالة. شخصياً افهم من زميلي غالباً أكثر من أستاذ المادة كون زميلي في نفس المستوى وقد يستخدم لغة مشتركة ونساعد بعض على الفهم أكثر
المرحلة الخامسة (التقييم النهائي) Post-Assessment
هنا يأتي التقييم بنهاية المحاضرة ويتم التركيز على مخرجات التعلم والمستهدفات التي تم استعراضها في المرحلة الثانية. هذه المرحلة تساعد الطلاب في تقييم مستوى استيعابهم وغالباً استخدم الأسئلة في نهاية كل فصل من كتاب المقرر إضافة إلى محتوى تطبيقات المعمل. من وجهة نظر المعلم وأستاذ المادة هذه المرحلة مهمة للغاية في تقييم مستواه في تقديم المعلومة وعلى اساساها يقرر طريقة الشرح في المرحلة الرابعة
المرحلة السادسة (الخلاصة) Summary
يأتي ختام الدرس بإعادة ملخص محتوى المحاضرة ومراجعة المخرجات وبعض النقاط المهمة التي تم شرحها اثناء المرحلة الرابعة. هذه المرحلة لا تقل أهمية عن بقية المراحل كونها تعطي الملخص للطالب وتغلق الدرس بطريقة احترافية وتعطي تشويقاً لمحتوى المحاضرة التالية.
الورقة العملية التالية تناولت الموضوع بتفاصيل أكثر لمن أراد الاستزادة حول هذا النموذج وربطه مع نموذج flipped class room
Effect of Flipped Classroom with BOPPPS Model on Learners' Learning Outcomes and Perceptions in a Business Etiquette Course
https://link.springer.com/article/10.1007/s40299-019-00475-z#citeas
الخلاصة
التدريس مهارة وشغف كما أن الطلبة أمانة عند أستاذ المادة؛ لذا يتوجب فهم وتطبيق منهجيات التعليم والتعلم خلال شرح المقررات بصدق وإخلاص. هذا النموذج يساعد في تخطيط الدرس وعرضه بطريقة تضمن تفاعل الطالب مع أستاذه وعيش تجربة تعلم رائعة يستمر أثرها.
أسعد بمشاركة رأيك حول طريقتك في استعراض محتوى تعليمي إما في مقرر اكاديمي أو دورة تدريبية أو محاضرة عامة.