"أشركني وسوف أفهم"
قل لي وسوف أنسى، أرني وسوف أتذكر، أشركني وسوف أفهم
كونفوشيوس
تحمل هذه الحكمة معاني عميقة لكل من يعمل بمهنة التدريب أو التدريس التي هي عملية تفاعل و إتصال بين المعلم والطالب في بيئة تعليمية تهدف إلى بناء المعرفة التي بدورها تُشكّل الادراك ومن ثم الوعي. من واقع تجربة يمكن أن يصنّف هذا التواصل والتفاعل إلى مستويين رئيسية.
الأول : تواصل أُحادي الاتجاه حيث ينتهج المعلم أو المدرب نهج التنظير المجرد وذلك بعرض المعلومات بطريقة جامدة متمثلة في إلقاء محاضرة أو عرض شرائح مزدحمة بالمعلومات. المتعلم في هذا النوع من التواصل (الطالب أو المتدرب) يكون في وضع تلقي زخم هائل من المعلومات ويغلب عليه السكون التام وتقل نسبة استيعابه مع الوقت وبعد انتهاء المحاضرة ومع مرور الوقت يفقد كثير من المعلومات مالم يقوم باستذكارها ومراجعتها. ضمن هذا النوع من التواصل قد يكون هناك عرض لتجارب عملية تطبيقية ولكن دون إشراك الطلبة او المتدربين وهي لا تختلف كثيرً عن المحاضرة التقليدية. هذا النوع غير فعال وغير مجدي إذا كان هو الأسلوب الوحيد المتبع في المنهج التدريسي أو التدريبي. في الواقع هو يُعد ضرورة ولابد من اتباعه عند عرض محتويات المقرر ولكن يكون الخلل إذا كان هو الأسلوب الأوحد حيث يفتقد المتعلم للتفاعل والتجربة والممارسة للمادة العلمية ضمن المنهج كما أن أسلوب وطريقة المدرب تلعب دور جوهري حيث أن البعض يجيد فنون الالقاء والعرض التي بدورها تساعد في الإبقاء على تركيز المتلقي أطول فترة ممكنه خلال وقت المحاضرة.
الثاني : تواصل وتفاعل متعدد الاتجاهات هذا النوع يعتمد على تصمم المنهج العلمي بطريقة تضمن مشاركة جميع المتعلمين. حيث يتم تصميم مشاريع تطبيقية لكل موضوع من شأنها تمكين المتعلم من الممارسة والتجربة والتعلم التفاعلي والمشاركة والتواصل مع المعلم وبقية المتعلمين. هذا النوع يتطلب جهد مضاعف من المعلم والمتعلم حيث أن الجميع يعمل بتكامل للتعلم وبناء المهارات اللازمة من خلال التجربة العملية. هذا النوع من التفاعل يضمن نتائج أفضل من النوع الأول حيث أن بناء المعرفة يأتي بالتجربة والممارسة العملية.
للوصول لنتائج عملية وفعالة يمكن أن يصمم المنهج التعليمي والمحتوى التدريبي بالاعتماد على التكامل بين المستويين السابقين بحيث يتم الاعتماد على التواصل الأحادي عند عرض المعلومات النظرية الأساسية و تطويع التواصل متعدد الاتجاهات للتطبيق والتجربة والممارسة العملية التي تُسهم في فهم المادة العلمية بعمق و فعالية.
من الطرق التي اعتمدها في تدريس وتدريب عدد من المواد والمناهج هي الدمج بين الفصل المقلوب والتعليم المعتمد على المشاريع التطبيقية ويمكن أن استعرض مُجمل مراحل تطبيق الطريقة التي اتبعها في النقاط التالية:
مرحلة الإعداد : هذه المرحلة تسبق وقت التدريس أو التدريب حيث تستغرق وقت لإعداد وتصميم المادة العلمية التي تشمل عدد من التطبيقات العملية مع طرق التقييم. تتطلب هذه المرحلة اطلاع واسع وبحث عميق مبنى على خبرات سابقة. كل مادة عليمة لها طابعها الخاص فعلى سبيل المثال بناء محتوى لمادة الخوارزميات يختلف تماماً عن محتوى لمادة انترنت الأشياء كون الأولى تتطلب أن يكون هناك محتوى مخصص يعتمد على الخفيات السابقة للمتعلمين على سبيل المثال مستواهم في البرمجة في المقابل هناك مواد علمية يمكن أن يتم إعدادها دون الحاجة أن يكون لدى المتعلم أي خلفية سابقة.
مرحلة العرض الأولي للمحتوى : في هذه المرحلة اطبق جوهر فكرة الفصل المقلوب حيث أعرض المحتوى النظري أو مقدمة المثال العملي في شكل مقاطع فيديو مصورة تنشر قبل موعد المحاضرة بوقت كافي .بنهاية المقطع هناك سؤال أو أكثر تثير إهتمام المتعلم بحيث يعمل على حلها حتى موعد المحاضرة. هذه المقاطع تصمم بطريقة تضمن استثارة تفكير المتعلم وتحتوى على عدة فراغات معرفية يتم شرحها واكمال الصورة خلال وقت المحاضرة بل ويتم إعادة حل التجارب بطرق مختلفة بحيث يتم تطبيق التحسين على الحلول الاولية التى تم عرضها في المقاطع المصورة. هذه الطريقة تضمن حضور المتعلم للمحاضرة وهو في استعداد تام لما سوف يتم مناقشته في المحاضرة التي تتسم بالتفاعل بين جميع المتدربين ضمن مجموعات.
مرحلة عرض الإطار النظري : هذه المرحلة تأخذ أقل وقت ممكن حيث يتم إعادة شرح بعض النقاط التي تم عرضها في المرحلة السابقة. هنا نتبع الأسلوب التقليدي التنظيري لأهميته في إكساب المتعلم الأساس النظري لكل موضوع ضمن المنهج والمحتوى التدريبي.
مرحلة مناقشة العرض الاولي : تأتي هذه المرحلة للتمهيد للتطبيقات العملية وربطها بالإطار النظري حيث يتم استعراض مثال عملي كامل بحيث يتمكن المتعلمين من تطبيق نفس الخطوات في المرحلة التالية وكذلك مناقشة محتوى العرض الاولى في المرحلة السابقة ضمن فكرة الفصل المقلوب.
مرحلة التطبيق العملي : في هذه المرحلة يتم أخذ الوقت الكافي لإعطاء المتعلمين الفرصة للممارسة العملية واكتساب المهارة وربط الإطار النظري بالعملي التي بدورها تكسب المتعلم المعرفة والادراك للمحتوى التعلمي.
مرحلة التقييم : هذه المرحلة تتم من خلال الاختبارات والتغذية الراجعة للتأكد من فهم المتدربين للمحتوى ويمكن الاستفادة من النتائج في المرحلة الأولى عند إعادة تقديم المنهج وكذلك تطويع بعض التطبيقات حسب احتياج الطلبة أو المتدربين
من واقع التجربة والممارسة لازال هناك عدد من التحديات التي لازلت أعمل على إيجاد حلول لها مثل :
· تفاوت المستوى العلمي للمتدربين ومدى فهمهم لمتطلبات المنهج أو المقرر التدريبي.
· تفاوت حرص المتعلمين وحرج البعض منهم من المشاركة والتفاعل.
· التجهيزات اللوجستية المناسبة للتطبيقات العملية.
· ضبط الوقت المحدد للتدريبات العملية لضمان إنجاز المحتوى المحدد.
· ضبط وموازنة التعامل مع الشخصيات ذات الطابع المسيطر التي تستأثر ولا تترك مجال لبقية أعضاء المجموعة ذات السمات الشخصية الهادئة.
الخلاصة
أولى خطوات التعلم والتعليم الفعال تبدأ من بناء المحتوى التعليمي بطريقة تضمن ربط المحتوى النظري بالعملي وتعتمد اسلوب الممارسة والتطبيق للمتدربين ضمن النشاطات الأساسية.
اسعد بمشاركة رأيك حول أفضل طرق بناء المحتوى والتعليم الفعال مثل التعليم المعتمد على المشاريع التطبيقية.
@nmokhayesh
https://naifmokhayesh.me