لكن من يُحسن الاستنباط ؟
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
سورة المائدة ٩٠
وفد من عبدالقيس قدموا للرسول ﷺ فقال لهم : مَن القوم؟
قالوا : ربيعة يا رسول الله
قال : مرحبًا بالوفدِ لا بالخزَايا ولا بالنَّادِمينَ
قالوا : يارسول الله إنَّ بيننا وبينك هذا الحي من كفار مُضر فلا نخلص لك إلا في الشهر الحرام، فامرنا بأمرٍ فصل نطيع به الله وندخل به الجنة ونُخبر به من وراءنا.
فأمرهم ﷺ ب٤ ونهاهم عن ٤ :
امرهم بشهادة أن لا إله إلا الله و أن محمد رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإتاء الزكاة وإعطاء الخمس من الغنائم ، وصوم رمضان. ونهاهم عن الدباء والحنتم والنقير والمُزَفّت.
أسلمت ربيعة طواعية فلم يُفضَحوا بسبي أو يُخزَوّا بحرب أو يرجعوا في اسلامهم ، لذلك رحّب بهم الرسول بترحيبه الحار : لا خزايا ولا نادمين
كما انهم جاءوه من ديارهم التي يسكنونها آنذاك البحرين-تقال سابقاً لمنطقة واحدة تشمل جزيرة البحرين وإقليم الاحساء والقطيف- يريدون امراً يزيدهم قرباً من الله ويعلّمونه من بعدهم وهذا من حسن اسلامهم، فأمرهم بالشهادتين والصلاة والصيام والزكاة وإعطاء الخمس (ويبدو أنهم جاءوا قبل فرض الحج لذلك لم يأمرهم بالحج) فكان مسجد جواثا في الاحساء شاهداً على تقدم اسلامهم فهو اول مسجد تقام فيه صلاة الجمعة في الاسلام بعد مسجد رسول الله ﷺ
والسؤال الآن : ماهي الاشياء ٤ التي نهاهم عنها؟
يتوقع السامع حينما قال الرسول : (وانهاكم عن اشياء اربع)
أنها اشياء كبيرة! واذا به يعدد اشياء اخرى !!
الإنتباذ هو أن يأتي انسان بزبيب او تمر أو مما هو قابل أن يكون خمراً فيأتي بوعاء فيه ماء ويطرح فيه ما يقبل أن يكون خمراً ثم يتركه فتره ثم يشربه قبل أن يصبح مسكراً
فكان في الإنتباذ اشكال : أوعية لا تُسرّع عمليه الإسكار مثل قرب الماء، و أوعية تُسرّع عملية الإسكار إلى درجة اذا تخمّر وفار ما يُطرح فيها انخرق الوعاء فيبلغ الإسكار فلا يُشرب.
وهناك أوعية يصل إلى حد الإسكار لكن لاينخرق الوعاء فلا يُدرى هل بلغ الإسكار ام لا؟ ولذلك نهاهم الرسول عن الدباء والحنتم والنقير والمزَفّت خوفاً على عقولهم من السُكر لأنه كان شائعاً عندهم الإنتباذ وطرح ما يكون قابلاً للسكر :
اذ أنَّ الدبّاء : هو القرع والقرع محبباً للرسول فلا يمكن أن يحرمه أو يمنع اكله ، لكنهم كانوا في الطائف يأتون بالقرع اليابس فيُجَوّفونه ثم ينبذون فيه ثم يطرحونه أياماً فيصبح نبيذاً مالم يبلغ مُسّكراً فإذا زاد اصبح مسكرا ، هذه الثقافة التي كانت في الطائف شاعت عندهم في البحرين.
أما الحنتم : فهي نوع من الجرار لونها اخضر ومفردها حنتمة -يعني جرّة- يؤتى بها من مصر ، افواهها في جنبها ويوضع فيها الخمر وسرعة الإسكار فيها مثل سرعة الإسكار في الدباء
و أما النقير : فهو اصل جذع النخلة يُجَوّفونه ثم يضعون فيه ماءً ثم ينبذون فيه مايكون قابلاً للخمر ثم يغلفونه ويضعونه في مكان حار ثم يخرجونه وقد غلى فمالم يُسكر يصبح نبيذاً أما اذا بلغ حد السُكر اصبح حراماً ،
و أما المُزَفَت : فهو القار الاسود الذي تُطلى به السفن ، يأتون ببعض الاوعية ويطلونها بالقار فيكتمون به الإناء فينبذون فيه ما يريدون ثم يشربونه.
كنت قد نهيتكم عن الإنتباذ إلا في الأسقية فأنتبذوا في كل وعاء وتجنّبوا ماكان مسكراً
محمد ﷺ
والسؤال الآن : هل كانت هذه أعظم الأمور المحظورة آنذاك؟!!
لاريب أنه كانت هنالك أمور محرمة أعظم مما نهاهم عنه و لكنه فقه التعامل مع الواقع اذ كانت أولوية الرسول أن يعالج ماكان شائعاً آنذاك حفاظاً على عقولهم فيستقيموا و يسودوا الأمم . فالخمر غالبه أساس كل رذيلة والانسان اذا شرب الخمر غاب عنه عقله فتجرأ على فعل ما هو أعظم .
فاذا أردتَ أن تُكرمَ احداً ؛ فأكرم عقله، فإنَّ الابقاء على العقل واحترامه والحفاظ عليه اكبر مصالح المجتمعات الحضارية التي بنت مجداً متوارث جيلاً بعد جيل وعقولهم الفذة دلتهم إلى كل رشاد.
والأمة العربية من قبل الاسلام واثناء الاسلام وما بعد الاسلام حتى الآن مليئة بالعقول اللامعة التي هي سبب نبوغها وريادتها وتتنافس على هدمها وتدميرها الامم الاخرى بكل مقدراتها؛ لذا يُخشى على ابناء الامة العربية أن تُختطف عقولهم ومن بعد ذلك يُجرّدون من قيمهم ومبادئهم السامية والاصيلة التي فضّلهم الله بها عن سائر الامم ولو لم يكونوا كذلك لما اختار الله نبي اخر الزمان يكون منهم!
والسؤال الآن: من يُحسن الاستنباط ويجيد فقه التعامل مع الواقع؟
لقد بُلينا بحَفَظَة نَقَلَة لايعرفون من الدين والعناية بالقرآن سوى حفظه وتسميعه واجترار الفتوى و الاحكام المتعلقة بالمرأة أو الانشغال بمناهضة كل جديد على المجتمع دون تأصيل وتحليل لفقه الواقع أو الانشغال بقضايا قليل نفعها وانتهى زمنها طمعاً بوعي او بدون وعي في تسيّد المجالس وتصدّر المنابر والوصاية على الناس.فيُترك نير الحديث وننشغل في مقارعة حفظة يسجعون فيما بينهم بالادلة والاحاديث وتضيع حياتنا سدى فلسنا الذين فقهنا ديننا وعملنا به وكنا لائقين به ولسنا الذين عشنا حياةً طيبة نتفيأ في ظلالها.
للاسف يشيع عندنا في المجتمع أنَّ الاصل في عناية القرآن هو الحفظ و أنّ كل حافظ للقران إمام ! تراهم في حلقات التحفيظـ يتنافسون في حفظ القرآن والصحيحين والكتب الستة منذ الصغر، يدفعهم توفر معلم للقرآن وريعان الشباب وخلو محيطه من الصوارف فيكون الافضل في الحفظ وهذا امر محمود وجيد وخير ما تُقضى به الاوقات لكنه ينشأ على الترديد والتكرار وليس التبصر والفهم والتحليل والاستنباط والربط مع الواقع بالتالي هذا لاتقول عنه أنه إمام ويفقه ويفصل في قضايا الامة أو يسودهم! لا
امام أو يسود اذا جمع العقل مع النقل وحنكته الايام وجرّبته الليالي وادرك علم الآلة وقرأ كثيراً والاهم .. اذا نضج فقد كانت الرسل تُبعث على رأس الاربعين!وبعد هذا كله يمكن أن يكون اماماً يفصل في قضايا الأمة ويتسيد المنبر.
لقد عايشنا وتعايشنا مع اناس منصرفين في العلم فبرعوا فيه حفظا لكنهم في المواقف ودقائق الأيام لا حكمة لهم ولا بصيرة، بالتالي الحفظ لايعني كمال العقل وعلى الناس أن يكونوا منصفين تجاه هذه القضية واتخاذ موقف بيّن وواضح وقد سُئل مره الشافعي عن رجل فقال الشافعي :
ما رأيت احداً أفقه منه إلا أنَّ فيه طيش!
يذكر احدهم قصة لاحد الفضلاء دخل على مدرس مادة حديث في المدرسة وكان عنوان الدرس حديث{قُلْ لي في الإِسْلاَمِ قَوْلًا لاَ أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ، قَال: قُلْ آمَنْتُ باللهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ.}
فذهب ٣ ارباع الحصة بالتعريف بالراوي وكم حديث روى ومتى مات ومن شهد جنازته وكيف كان هيئته ولباسه وبقي الوقت الاخير للأمر الأهم :
قُلْ آمَنْتُ باللهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ
محمد ﷺ
فتعرّض لها المعلم بإجمال عندما دب الملل والنعاس في الطلبة ، وكانت هذه تحتاج الى حصص!
قبل دخول وفد عبدالقيس من ربيعة على الرسول، يذكر زارع بن عامر بن عبدالقيس العبدي أنهم حينما تبادروا من رواحلهم وتسارعوا بالنزول من ابلهم ليدخلوا على الرسول فيقبلوا يده ورجله دون أن ينكر عليهم؛ انتظر المنذر بن الأشج وكان على رأس الوفد ومقدمتهم لكنه تأنى في نزوله من الابل ففتح حقيبته ولبس عباءته وقام يُحسّن ثيابه قبل الدخول على الرسول فقال الرسول له
إنَّ فيك خُلَّتَينِ يُحِبُّهما اللهُ : الحِلْمَ والأَناةَ
محمد ﷺ