ريشة

بلال خالد خوجه

11/05/2023

توقفت فجأة عن قراءة الكتاب..

كان كتاب سيرة ذاتية لكاتبته، حكت فيه قصتها أثناء دراستها وعملها في الجامعة كدكتورة في قسم الأدب الإنجليزي

حين عدت إلى القراءة بعد مدة وجدت أن هناك أجزاء في القصة قد لامستني

فقد مررت بنفس هذه اللحظات .. وهذا الشعور .. بل وحتى أصوات تلك الأجهزة يرن في أذني كما وصفته الكاتبة

توقفت قليلاً ..

وسألت نفسي: هل نحن متشابهان؟ أم أنه التأثير الطبيعي على القارئ من الكاتب؟

وقبل أن أعود معكم إلى قراءة الكتاب، دعوني أحكي لكم لماذا توقفت في البداية ..

لقد مر عامان على تلك الحادثة

كانت فاجعة لمن هم حولي، ولكن لطف ربك فوق كل شيء

مالذي حصل خلال ذلك اليوم؟ وكيف كانت مجرياته؟

تفاصيله مازالت عالقة في الذاكرة وستبقى طويلاً ..

كان عصر يوم السبت ٢٠ من شهر رمضان لعام ١٤٤٢هـ

ذهبت لأخذ وجبتي من المطعم الصحي الذي اشتركت فيه مع أحد الأصدقاء

حيث كنت حينها (عزوبياً) في الرياض

ورغم أن يوم السبت كان إجازة أسبوعية إلا أنني كنت في اجتماعات طيلة اليومين  الماضية

وفي الشركة التي لم أكمل فيها شهراً واحداً (حيث كنت خلالها في فترة التجربة)

أذن المغرب وحان وقت الإفطار

حاولت أن أبدأ في الإفطار ولكنني لم أتمكن من إكمال لقمة واحدة

شعرت وقتها بوخزة شديدة في بطني والأرض تلف من حولي

خمّنت أن هذا الألم من قلة النوم ..

ذهبت واستلقيت قليلاً .. ولكن الألم ازداد وبشدة وكأنها سكاكين تطعنني في بطني 

ذهبت فوراً إلى أقرب مركز صحي ..

وصلت ولم يكن هناك سوى موظفة الاستقبال، وأخبرتني أن الدكتورة المناوبة لم تصل بعد!

انتظرت في قسم الطوارئ  قليلاً أو كثيراً (لا أعلم، ولكن الألم يجعل الثانية الواحدة وكأنها ساعة)

جاءت الممرضة كي تضع الإبرة للمحلول، كانت ترجف وكأنها أول مرة 

غرست الإبرة في يدي اليمنى، ولم تصل إلى العِرق المطلوب

ذهبت وغرست الإبرة في يدي اليسرى، وتكرر هذا المشهد ..

وأنا مازلت أتألم في بطني ولا أشعر بأي ألم آخر ..

نظرت بعدها إلى يدي فوجدت آثار حفريات أقيمت فيها من كثرة الإبر!

اعتذرت الممرضة ..

وكأن الاعتذار سوف يُذهب الألم

وصلت الدكتورة أخيراً

لم تتعامل كما يجب، فقط سألتني: بماذا تشعر وأين مكان الألم؟

أخبرتها ..

حسناً، هذه نزلة معوية ونعطيك الدواء اللازم!

استغربت من طريقة الفحص وسرعة إعطاء الرأي والعلاج

والألم مازال مستمرًا 

قلت لها: أنني مازلت أتألم

قالت: سوف تتناول الأدوية ويخف الألم، شد حيلك وأوقف وتحمل الألم شوية!

مابيدي حيلة

قمت وأخذت وصفة الأدوية، واستلمتها من الصيدلية

وفي طريق عودتي إلى البيت، ثارت علي بطني وأخرجت مافيها .. وماذا كان فيها؟ (لم أتناول شيئاً منذ سحور البارحة  اللقمة الغير مكتملة على الإفطار)

حاولت أن أنام قليلاً بعد تناول الأدوية

لم أستطع

فقد تضاعف الألم وتضاعف بشدة

(تقشعر جسمي وأنا أفتكر تلك اللحظات وشعور الألم)

لم استطع الجلوس

عدت فوراً إلى المركز الصحي

لم تكن الدكتورة موجودة، كان هناك دكتور آخر اسمه (عمار) مثل اسم أخي 

قلت له كل شيء

قال الدكتور: هذه ليست أعراض نزلة معوية

(اختلف الدكاترة وأنا الضحية)

جاء الدكتور وأمسك بمكان الألم وطلب أن يتم إجراء التحاليل والأشعة

ومن حظي أنه حتى ذلك اليوم؛ الشركة التي أعمل فيها لم تسلمني عضوية التأمين الصحي

ويعني ذلك أنني سوف أدفع تكاليف كل شيء وبعدها لكل حادث حديث

رحت أراجع في بالي كم لدي من رصيد في تلك اللحظة وهل أستطيع أن أغطي جميع التكاليف

فقد كنا في نهاية الشهر والراتب تأخر كالعادة 

كل ذلك دار في بالي وأنا أتألم

سحبو عينات الدم، وهذا يعني آثاراً جديدة للإبر

وأجريت الأشعة 

كان تحليل الدكتور أن هذه هي أعراض (الزائدة الدودية) ولابد من إجراء العملية فوراً

ولكن هذا المركز الصحي غير متخصص في هذه العمليات، وسيتم تحويلك إلى أقرب مستشفى

والمركز الصحي ليس لديه سيارة إسعاف حتى تنقلني إلى المستشفى

سألني الدكتور: مَن مِن أهلك أو معارفك يمكنه أن ينقلك إلى المستشفى؟

نظرت إلى حالي، فأنا أسكن في الرياض، وأهلي جميعهم في المدينة، وحتى الذين كانوا في الرياض سافروا لإجازة العيد

أجريت اتصالات مع عدد من الأصدقاء، تجاوب معي عبد الرحمن الذي كان في وسط عمله إلا أنه حضر

وصل عبد الرحمن

كان الدكتور قد قام بتحويل حالتي (إن صح التعبير) إلى مستشفى (ع)، والتي تقع في منتصف مدينة الرياض، ونحن الآن في أقصى الشمال

بعد صراع مع الألم ركبنا السيارة وكان المشوار نحو الأربعين دقيقة


*****

أتوقف هنا وأعود معكم إلى رضوى

من هي رضوى؟

نسيت أن أخبركم عنها ..

هي من كنت أقرأ كتابها .. الأديبة والروائية رضوى عاشور وكتابها (أثقل من رضوى)

كانت تحكي عن تجربتها المريرة ومعاناتها مع المعرض، وسفرها المتكرر من أجل العلاج، وعملية تلو أخرى.

وكما كانت تحكي عن الدراما المركبة التي كانت تعيشها ومسرح العمليات كما كانت تسميه.

كانت تحكي تفاصيل حكايتها وكأنها الأحداث التي عشتها، من اختلاف آراء الدكاترة وأصوات الأجهزة وأشعة هنا وهناك، ومراجعات متكررة للمستشفيات للاطمئنان أكثر على الحالة الصحية.

*****


وصلنا بعد حوالي ٤٠ دقيقة إلى مستشفى (ع)

وبعد حديث وكلام مع الاستقبال اكتشفنا أن هذه المستشفى ليس لديها قسم خاص بهذا النوع من العمليات، وأن التحويل لها كان خاطئًا 

أخبرنا الدكتور أن نذهب إلى مستشفى (ش)

على عجالة ذهبنا إليها

ولكم أن تتخيلوا أن الألم مازال مستمراً، وكان الألم يخف قليلاً إذا استلقيت على جانبي الأيمن وضغطت على مكان الألم

كل ذلك وأنا مستلقي في السيارة

وصلنا إلى مستشفى (ش)

وكالعادة طلبوا أن نفتح ملفاً جديداً وننتظر

انتظرنا قرابة الساعتين في قسم الطوارئ

وبعد أن حان دورنا، أخبرنا الدكتور أن المستشفى لا تستقبل سوى حالات كورونا

بمعنى أن انتظارنا الساعتين تلك كان بلا جدوى!!

وقال الدكتور أنه علينا أن نذهب إلى مستشفى (س)

قلت له: أريد مسكناً للألم، لأنه منذ ٤ ساعات والألم مستمر ويزيد

أخذت المسكن وغادرنا المستشفى ولم أعلم حينها أنني سأعود مرة أخرى إليها بعد عامين!

ذهب بي عبد الرحمن إلى مستشفى (س) والتي تقع في جنوب الرياض

وصلنا عند الساعة الرابعة فجرًا

لم يكن هناك أي أحد عند الاستقبال، فالجميع ذهبوا لتناول سحورهم

رحت أنتظر ولم تكن هناك مقاعد، ولكن حارس الأمن قام من مقعده و أجلسني 

جلست متكئاً على مكان الألم، وراح عبد الرحمن يبحث عن الموظفين، فقد اشترطوا أن يكون لدي ملف حتى أتمكن من الدخول إلى المستشفى 

لا أعلم كم المدة التي انتظرتها، حتى جاء الفرج

خرج دكتور من قسم الطوارئ وأدخلني فوراً 

أجرى الفحوصات المعتادة

تحاليل هنا وأشعة هناك، نذهب ونعود بين غرفة الأشعة والمختبر

حتى وصلنا إلى سرير في قسم الطوارئ

جربت جميع أنواع الأشعة لديهم، حتى تلك المخصصة للنساء الحوامل

كلها تقول أن سبب الألم هو (الزائدة الدودية) لكن الدكتور المختص قال أريد أن أتأكد من شيء آخر

أجريت أشعة مقطعية (بالصبغة)، حيث أشرب ماء به صبغة ثم تجرى الأشعة بعدها

لم أتمكن من شرب أول كاسة ماء

فقرر الدكتور أن آخذ المحلول أو الصبغة عن طريق الوريد، ولابد أن أوقع على ورقة أنني مسؤول عما يحدث

كنت في نصف وعيي، لم أعلم ماذا يجري!

أريد أي شئ كي يذهب هذا الألم ويرحل إلى غير رجعة

ظهرت نتيجة الأشعة بعد ٣ ساعات

قال الدكتور: أن هذا الألم ليس بسبب الزائدة الدودية

قلت الحمد لله لن أجري عملية

كان رد الدكتور سريعاً: ولكنه بسبب تشابك الأمعاء مع بعضها، ولابد أن نجري عملية جراحية كي نفصلها عن بعضها

توقف عقلي لحظة ليستوعب ماقال الدكتور، ماذا تعني هذه الأشياء التي يقولها؟

وقبل ثواني قال لن أجري عملية جراحية والآن يقول نحن بحاجة إلى عملية جراحية أخرى!

لم أعرف العمليات من قبل

ولكن عملية جراحية وبهذه السرعة المفاجئة!

قلت له يادكتور ألا يوجد حل آخر سوى إجراء العملية؟

قال: للأسف لا

لم أجري عملية في حياتي

فكرت قليلاً، وكأن الألم تركني أفكر!

قلت له لنتوكل على الله ونجري العملية

قال: حسناً، ننتظر أن تفرغ غرفة العمليات حتى نبدأ في العملية

لا أعلم كم انتظرت

كل ذلك الوقت وكان عبد الرحمن إلى جانبي، أعلم أنني أتعبته يومها، لكنه نِعم الصديق

عند الواحدة ظهرًا جاء الدكتور وأخبرنا أنه حان موعد العملية

أعطوني ورقة (إخلاء مسؤولية) كي أوقعها، وقعت ودخلت إلى غرفة العمليات

كنت راقداً على السرير وفجأة يدخل إلى غرفة العمليات عدد كبير، اكتشفت فيما بعد أنهم طلاب كلية الطب، بالإضافة إلى الممرضات والدكتور معهم

والجميع يسألني: بماذا تشعر؟ أين مكان الألم؟ وكل واحد فيهم يدون في دفتره الإجابة

قلت في نفسي: هل أصبحت النموذج التي يتدرب عليه طلاب الطب؟

وضعوا على وجهي القناع كي استنشق الهواء المخدر

تخدرت ونمت

حين استيقظت وجدت ممرضاً يقول كلاماً لم أفهمه حتى الآن

عدت إلى النوم

استيقظت بعدها في الغرفة المخصصة في جناح التنويم، وكانت مشتركة مع مريض آخر

كنت أهلوس، وأول شيء سألت عنه: أين جوالي؟

قالوا: لم نستلمه منك

فزعت وقلت لقد انسرق جوالي

سألتهم عن الساعة، كانت السادسة مساءً

يعني أن العملية استغرقت حوالي الأربع ساعات

ومن بعدها في غرفة الإفاقة

رجعت إلى النوم، فما زال تأثير المخدر مسيطراً علي

كنت أصحو بين حينة وأخرى أهلوس وأتحدث إلى الممرضة التي تغير المحلول، كانت هلوستي تقول: (أين جوالي؟)

كنت وحيداً وقتها، فلم يسمحو لعبد الرحمن بالدخول حتى إلى غرفة التنويم، كان ذلك إحدى الإجراءات الاحترازية من كورونا

استقيظت في صباح اليوم التالي، جاءت إحدى الممرضات بكيس وكان به جوالي

تنفست الصعداء وقالت: لقد كان في غرفة العمليات، نسيه أحدهم

نظرت إلى جوالي فوجدته يريد الإنعاش، فقد كان في آخر طاقته

دعوني أحكي لكم عن شريكي الأول في الغرفة، هو طفل صغير ذو ١٠ سنوات كان يملك شجاعة الرجال - ماشاء الله - قد أجرى عملية الزايدة ولم يشتكي كثيراً

قرر أن يفتح معي حديثاً سريعاً، وانتهى بأن أعارني شاحن الجوال

شحنت الجوال وأعدت الشاحن

اتصلت بعبد الرحمن وأخبرته بما جرى، وقال أنهم لم يسمحوا له بالدخول

كانت الساعة الثانية ظهراً من يوم الاثنين

اتصلت بوالدي، كان قد استيقظ من غفوته قبيل العصر

استغرب الاتصال، فمثل هذا الوقت أكون منغمساً في عملي

قلت له ما جرى

قال الحمد لله على سلامتك، سألني عن اسم المستشفى فأخبرته

ثم أغلق الخط

اتصلت بي والدتي بعدها بنصف ساعة كي تطمئن، وقالت لي: أبوك صلى العصر وحرك على الرياض

بكيت في داخلي وقتها، لم أرد أن أفجعهم أبداً، ولكن هذا ما حدث!

Join