مابين القرآن والمعلقات
أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا
سورة النساء ٧٨
وَمَن هابَ أَسبابَ المَنِيَّةِ يَلقَها
وَلَو رامَ أَسبابَ السَماءِ بِسُلَّمِ
وَمَن يَجعَلِ المَعروفَ مِن دونِ عِرضِهِ
يَفِرهُ وَمَن لا يَتَّقِ الشَتمَ يُشتَمِ
لِسَانُ الفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ
فَلَمْ يَبْقَ إَلا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ
وَمَن لا يُصانِع في أُمورٍ كَثيرَةٍ
يُضَرَّس بِأَنيابٍ وَيوطَأ بِمَنسِمِ
وَمَن لا يَذُد عَن حَوضِهِ بِسِلاحِهِ
يُهَدَّم وَمَن لا يَظلِمِ الناسَ يُظلَمِ
وَمَن يوفِ لا يُذمَم وَمَن يُفضِ قَلبُهُ
إِلى مُطمَئِنِّ البِرِّ لا يَتَجَمجَمِ
وَمَهما تَكُن عِندَ اِمرِئٍ مِن خَليقَةٍ
وَإِن خالَها تَخفى عَلى الناسِ تُعلَمِ
وَمَن لا يَزَل يَستَحمِلُ الناسَ نَفسَهُ
وَلا يُغنِها يَوماً مِنَ الدَهرِ يُسأَمِ
بعض من ابيات معلقة زهير بن أبي ُسلمى
هذه ثاني آيه أقف عليها اجد فيها شيء من التصوير البلاغي للعرب قبل نزول القرآن :
العام الماضي كانت جملة (ريب المنون) التي ابتكرها الأعشى قبل أن تنزل في القرآن، واليوم هذه الاية المقاربة لتصوير زهير بن أبي سُلمى في معلقته قبل الاسلام لمن يخاف الموت وابياته كلها حكم خالدة حتى اليوم ويُستعار منها حتى الآن.
زهير بن أبي سُلمى شاعر الجاهلية الكبير الذي ناهز ١٠٠ عام حتى ادرك الرسول ﷺ فاستعاذ من شيطانه فما لاك بيتاً حتى مات.
هو شاعر بالسليقة، اذ ان ابوه وعمه وخاله وزوج امه كلهم شعراء ، كذلك هو والد كعب بن زهير صاحب البردة الشهيرة : بانت سعادُ فقلبي اليومَ متبولُ
كان زهير عفيف النفس، مؤمناً بيوم الحساب لذلك يخاف عواقب الشرّ، ولعلّ هذه الأخلاق السامية هي التي طبعت شعره بطابع الحكمة والرصانة ومعلقته تبين ذلك
حيث يقول في بيتٍ له بما معناه أنَّ الانسان الذي يعتقد أن سيحصل على مقصوده بالمواجهة والمجابهة فلن يصل! لابد من المجاملة ومسايسة الناس فليس دائماً كل شي يُؤخذ غصباً وغلاباً، وشر الناس ذلك الذي استلّ سيفه ورفعه على الناس حتى اصبح الناس يتحاشونه، قال ﷺ لعائشة :
يا عائشة، متى عهدتني فحاشاً؟ إنَّ شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره
كذلك لابد للإنسان أن يعرف مكانه ومقامه بين الناس، فليس كل الناس يُتنزَل لهم فبعض الناس يُنطِقُهُ مكانه وحاله وواقعه فتراه بذيئاً فحّاشاً محال أن يتنزل الواحد له، وبعضهم تراه بطباع لئيمة أو لاتشبهك ولا تتناسب مع مستواك الفكري و الاخلاقي فهؤلاء واجب الترفّع عنهم حتى لا تتسخ بطبائعهم.
أو تناقشهم أو تناصبهم العداء والخصومة وبمرور الوقت تصبح نقاشاتك و أساليبك وألفاظك مثلهم وكما يقول الانجليز:
لا تُصارع خنزيرًا في الوحل فـتتسخ أنت ويستمتع هو
ايضاً يذكر زهير في معلقته بأنَّ أي احد طُبع على لؤم فإنه اليوم أو غداً سيظهر لؤمه لامحالة، كذلك أي احد طُبع على كرم مهما حاول أن يخفيه فإنه سيظهر للناس.
ما أسرّ احدٌ سريرة إلا واظهرها الله على قسمات وجهه وفلتات لسانه
عثمان بن عفان رضي الله عنه
ليت لي عنق مثل عنق البعير لأوزن الكلمة قبل أن انطقها
علي بن أبي طالب رضي الله عنه
القلوب كالقدور تغلي بما فيها، وألسنتها مغارفها، فانظر الى الرجل حين يتكلم فإن لسانه يغترف لك مما في قلبه
يحي بن معاذ
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعظّم شعر زهير ويستدل به ويحب سماعه حتى أنه قال حينما سمع بيتاً لزهير رسم فيها حدود الحقوق :
فإنّ الحقّ مقطعُه ثلاثٌ
يمينٌ أو نفارُ أو جلاءُ
لو كان حياً لولّيته القضاء
عظّم زهير في معلقته رجلين جليلين هما الحارث بن عوف و هرم بن سنان لسعيهما في اخماد حرب داحس والغبراء التي استمرت سنين فقال فيهما :
يَميناً لَنِعمَ السَيِّدانِ وُجِدتُما
عَلى كُلِّ حالٍ مِن سَحيلٍ وَمُبرَمِ
تَدارَكتُما عَبساً وَذُبيانَ بَعدَما
تَفانوا وَدَقّوا بَينَهُم عِطرَ مَنشِمِ
قيل إنَّ هرم بن سنان حلف بعد أن مدحه زهير أن لا يكف عن عطائه، فكان إذا سأله أعطاه، وإذا سلّم عليه أعطاه فداخل زهير الاستحياء وأبت نفسه أن يقبل هبات هرم فبات حين يراه في جمع من القوم يقول :
عموا صباحاً غير هرم وخيركم استثنيت
كما يُذكر أن زهير صاحب أمدح بيت حيث قال :