; كيب تاون
قصص ومعلومات
الجزء الثاني- رسالة الجمعة , و مرض والدي
أول يـوم في المعهد
في الصباح الباكر أخذنا العم -وصفي- لمعهد EC - وصلنا إلى مبنى كلاسيكي كبير من 3 طوابق دخلنا من مدخل خشبي اسطواني الشكل لتستقبلنا السلالم الضخمة في البهو العالي الذي تطل عليه كل الأدوار لنكتشف بعد ذلك أن المعهد لم يكن سوى جزء من الدور الأول في المبنى إلا أن كل شيء متوفر في تلك المساحة الصغيرة , مكتبة وركن قهوة واستراحة ,حتى أنهم وفروا سجادات الصلاة في كل فصل وقوارير المياه الفارغة في كل دورة من دورات المياه نظرا للعدد الكبير من المسلمين في المعهد - واعتمادهم على الاستنجاء بدلا من الاستجمار- فمن النادر أن يحدث ذلك خارج البلاد العربية.
حضرنا لقاء تعريفي ومن ثم اختبرنا لتحديد المستوى .
أخذونا في جولة تعريفية حول المبنى سيرا على الأقدام وهذا كان الشيء الأكثر حماسة فمن العادة ما يخوض الشخص هذه التجربة وحده , مررنا بالمطاعم الحلال والحرام حيث توجد شهادات معتمدة من المؤسسات الإسلامية في جنوب أفريقيا , مرورا بالصيدليات والسوبر ماركت ومحطات باصات My city
الذي يدعو للفخر هنا هو أن كل هذا بتنظيم كادر من الشباب العربي، يهتم بكل هذه التفاصيل و تنظيم رحلات للطلاب حول المناطق السياحية كل اسبوع بالتعاون مع المعهد .
في أحد الأيام تعطلت سيارة العم وصفي , من هنا بدأنا مع والدي بالتعرف على محطات باصات My city ,التي علمنا مؤخرا أنها تغطي فقط وسط كيب تاون ولا تشمل نطاق واسع من ضواحي البلاد , إلا أن نظامها رائع في الأمن والأمان , حيث نشتري البطاقات ونشحنها ومن ثم نتعرف على المحطات وأرقامها وكذلك أوقاتها عن طريق الموقع الإلكتروني الخاص بهم, غير أن المحطات ذاتها تعرض رحلات الباصات على شاشات يسهل التعرف عليها حتى أطفال المدارس كانوا يستخدمونها .
وجدت ان 80% من المجتمع يستخدمها بشكل يومي , ومن الغريب أن هذه الباصات تعتمد على التهوية الطبيعية حيث لا وجود للتكييف فيها ,في الحقيقة لم يكن ذلك سيئا فالطقس جيد.
استخدمنا الباصات حتى جاء يوم الجمعة , ذكر لنا العم - وصفي - انه سيستعير سيارة جاره ليوصلنا للمعهد , قلت ولم لا نستخدم الباصات كعادتنا فما الجديد , قال أنه يوم استلام الرواتب في معظم المنشآت، يومٌ ينتشر فيه النشالين الذين ينهبون الحقائب والمحافظ وكل ما في طريقهم - أي يوم سعدهم - مع أن محطة الذهاب لا تبعد شارعين عن المنزل إلا أن محطة العودة تبعد مسافة لا بأس بها عن المعهد , وفي طريقنا لها نمر بالكثير من المتسولين - يشبهون أولئك المنتشرين في مكة إن أعطيت الأول ستبدأ سلسلة لا تنتهي -لم أكن سأشعر بحب العطاء كما الحال هناك فشعوري هنا كان مختلفاً مغلف بالحذر ، خصوصا أننا نمر من نفس المنطقة في كل يوم، كان يبدو ذلك لي خطرا فلم أبادر يوما بإعطائهم شيء مع أننا كنا نحرص على تغيير طريقنا في كل مرة, أظنني خيبت أملهم فهم يتوقعون منا الكثير كمسلمين نحن “الأثرياء” في نظرهم .
وبالفعل تحركنا صباح الجمعة مع العم -وصفي - على اتفاقنا , وفي الإشارة استوقفتني العبارة التي كتبها أحد المتسولين على قطعة كرتون بالية
< لماذا هناك الكثير من الأغنياء وأنا وحدي فقير >
تفكرت كثيرا في هذه العبارة ، مما جعلني افتح نقاشاً في السيارة , مالمقوّم الذي جعله يكتب ذلك ، هل هو المال فقط! , أم هناك الصحة و والعقل وراحة البال! , كيف حكم على نفسه بالفقر قبل الآخرين بالغنى ؟!
وأظنها كانت رسالة الله لي في يوم الجمعة -حيث اعتدت فيه أن أبحث عن رسائل الله لنا في هذا الكون- .
مرض والدي
بعد عشاء هذا اليوم شعر والدي بتوعك شديد في معدته غير أنه قاوم الشعور وكابر , لكن لم يستمر كذلك كثيرا حتى جاء في ساعة متأخرة من الليل متألما لم يكد يسند طوله واتكأ على ركبتيه من شدة الألم , كان الكل نائما في تلك الساعة بقيت أنا وإخوتي نحاول أن نتدارك الموقف لكن دون جدوى , أصبحنا ندور حول أنفسنا , مالعمل الآن! , والدي لا يستطيع الحديث من شدة الألم ونحن عاجزين عن التصرف , حتى إن أيقظنا العم وصفي وزوجته مالذي سيقدمونه! فنحن لسنا من أهل البلد مالعمل يا ترى , لن أسامح نفسي إن حدث مكروه له .
وجدت نفسي أتصل بأحمد -وكيلنا هنا و أحد أفراد الشركة التي قدمنا من خلالها- كانت الساعة الثالثة صباحا أخبرته فورا بحالة أبي وأنني لا أعرف مالعمل , أخبرني بأنه سيكون هنا خلال 5 دقائق , وبالفعل قدم أحمد وكان والدي قد دخل لدورة المياه , سألني ماذا أكل ؟ لا أعلم , هل لديه السكر ؟ نعم , هل لديه الضغط ؟ لا , يجب أن نقوم بعمل تأمين طبي , إذا افعل ماذا ننتظر! , أحتاج لجهاز كمبيوتر , لدي واحد هنا .
تعرفت في هذه اللحظة على جزء من نظامهم الصحي قال أنه ليس من السهل الذهاب للمستشفى هنا فالمستشفيات الخاصة : تأمينها يقوم على مبدأ مدى حاجتك للعلاج وليس على قدر المال الذي تدفعه وهذا بهدف تقديم المساعدة للأولى فالأولى ، تنقسم لثلاث الوان تأتي بحسب حاجتك للعلاج ، الأصفر والبرتقالي والأحمر على ما اذكر ، فالدرجة الصفراء للحالات الأقل أهمية والحمراء هي الحالات التي تؤدي للوفاة ، إن ذهبنا فهذا يقتضي ساعات من الإنتظار ، فكان الحل الأمثل هو انشاء تأمين طبي في المستشفيات العامة:
فهي تقوم على مبدأ أنا لدي مال فسأحصل على الرعاية الأفضل فمن لا يملك المال الكافي لن يحصل على الرعاية الصحية ابدا فهي تكلف الكثير وأقل فترة للتأمين الطبي هي 3 أشهر وتكلفتها 3000 ريال سعودي أي ما يقارب 9000 راند وهذا ما تعجبت منه فهذا عكس بلادنا تماما , نحن في نعمة عظيمة دون أن نشعر والحمد لله .
بدأنا في تعبئة البيانات المطلوبة - الاسم , العمر , الجنسية -مالبثنا حتى خرج والدي من دورة المياه ليجد نفسه قد ارتاح كثيرا بعد أن أخرج كل مافي معدته لتصبح فارغة , اعتذرنا من أحمد على ازعاجه.
كل ذلك ولا يزال العم وصفي وزوجته نائمان.
يتبع …